أثر نيوز- هيئة التحرير 

منذ أكثر من عقدين، ارتبط اسم فيصل الزرهوني بتدبير جماعة البدوزة، المعروفة أيضا بـ«كاب بدوزة»، شمال آسفي، بعدما نجح في الحفاظ على رئاسة الجماعة عبر ولايات انتخابية متتالية، في مسار سياسي محلي بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي واستمر إلى غاية الانتخابات الجماعية الأخيرة.

وتعود بدايات حضور الزرهوني في المشهد الانتخابي، بحسب المعطيات المتوفرة، إلى تسعينيات القرن الماضي، حين خاض الانتخابات التشريعية بدائرة حرارة بإقليم آسفي، قبل أن يؤكد انتخابه برلمانيا سنة 1997، لتتوسع بعد ذلك تجربته من الاستحقاق البرلماني إلى تدبير الشأن الجماعي بالمنطقة.

ومنذ بدايات الألفية، تمكن الزرهوني من تولي رئاسة جماعة البدوزة، قبل أن يجدد انتخابه خلال الولايات المتعاقبة، ومنها انتخابات 2009 و2015، ثم انتخابات شتنبر 2021، التي أعيد خلالها انتخابه رئيسا للجماعة بإجماع الأعضاء، ليواصل بذلك حضوره على رأس الجماعة لأكثر من عشرين سنة.

هذا الاستمرار الطويل في رئاسة جماعة قروية ذات موقع استراتيجي على الساحل الأطلسي يطرح سؤالا سياسيا وانتخابيا أكبر من مجرد التداول العادي على رئاسة مجلس جماعي: كيف تمكن الزرهوني من الحفاظ على موقعه كل هذه السنوات؟ وما الذي يجعل البدوزة واحدة من أكثر الجماعات ارتباطا باسمه السياسي؟

أرقام انتخابات 2021 تعيد فتح ملف البدوزة

الجدل حول البدوزة لم يتوقف عند تركيبة المجلس الجماعي أو استمرار رئيسه، بل انتقل إلى الأرقام المسجلة خلال الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2021.

فبحسب الإحصائيات التي سبق أن أنجزها موقع «أثر نيوز» حول نتائج الانتخابات بإقليم آسفي، سجلت جماعة البدوزة 5690 صوتا، بنسبة بلغت 7 في المائة من مجموع الأصوات المعبر عنها على مستوى الإقليم، لتتصدر بذلك الجماعات القروية من حيث عدد الأصوات المسجلة في تلك الاستحقاقات.

واللافت في هذه الأرقام أن البدوزة ليست معقلا انتخابيا تقليديا لجميع المرشحين المتنافسين، كما أنها تقع على بعد نحو 30 كيلومترا من مدينة آسفي، الأمر الذي جعل نتائجها وأرقامها الانتخابية محط اهتمام ومساءلة سياسية وإعلامية.

وفي الانتخابات الجزئية التي عرفها الإقليم لاحقا، برزت الأرقام المسجلة بالبدوزة من جديد، بعدما تمكن حزب الأصالة والمعاصرة، عبر مرشحه رشيد بوكطاية، من تحقيق نتيجة قوية داخل الجماعة، بلغت 61.14 في المائة من الأصوات.

وبذلك أصبحت البدوزة، التي يقود مجلسها الجماعي حزب الاتحاد الدستوري عبر فيصل الزرهوني، رقما انتخابيا لافتا في المشهد المحلي بآسفي، ليس فقط بسبب حجم المشاركة والأصوات المسجلة، وإنما أيضا بسبب تأثير نتائجها على التوازنات الانتخابية بالإقليم.

تصريحات سياسية تعيد القضية إلى الواجهة

وفي السنة الجارية، عاد ملف انتخابات البدوزة إلى الواجهة من بوابة تصريحات سياسية صريحة.

فقد أكد رضا بوكمازي، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أن ما شهدته جماعة البدوزة شمال آسفي خلال الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2021، إلى جانب الانتخابات الجزئية التي أعقبتها، «يسيء إلى الوطن ويمس بمصداقية الاختيار الديمقراطي».

ودعا بوكمازي إلى التصدي لما وصفه بالممارسات التي تفرغ العملية الانتخابية من مضمونها وتبدد ثقة المواطنين في قدرتها على التعبير الحقيقي عن إرادتهم الحرة.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، لأن السؤال لم يعد يتعلق فقط بما حدث في انتخابات سابقة، وإنما بما إذا كانت الظروف التي جعلت البدوزة محط الأنظار سنة 2021 ستتكرر خلال الانتخابات المقبلة.

من جماعة ساحلية إلى «لغز انتخابي»

إلى جانب وزنها الانتخابي، تتمتع جماعة البدوزة بموقع جغرافي واقتصادي حساس، بالنظر إلى امتدادها الساحلي ووجود مناطق شاسعة من الكثبان الرملية.

كما سبق أن أثارت المنطقة، على مدى سنوات، نقاشا حول أنشطة مرتبطة باستخراج الرمال، فضلا عن قضايا مرتبطة بتهريب المخدرات على الساحل، وهي ملفات تتطلب، في كل حالة، الرجوع إلى محاضر الضبط والمعطيات الرسمية والأحكام القضائية لتحديد المسؤوليات بشكل دقيق.

ولا يمكن، مهنيا، تحويل تسجيل عمليات ضبط أو العثور على رزم مخدرات على الساحل إلى اتهام مباشر لأي مسؤول منتخب أو جهة سياسية من دون أدلة تربطها بهذه الأفعال.

لكن اجتماع الموقع الساحلي الحساس، والثروة الرملية، وتاريخ المنطقة مع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات، إلى جانب الوزن الانتخابي الذي أظهرته أرقام 2021، يجعل البدوزة منطقة تستحق مراقبة انتخابية وإدارية دقيقة خلال استحقاقات 2026.

السؤال الذي يفرض نفسه في انتخابات 2026

اليوم، ومع اقتراب الانتخابات، يعود اسم فيصل الزرهوني إلى الواجهة باعتباره واحدا من أقدم الوجوه السياسية التي حافظت على موقعها في جماعة قروية بإقليم آسفي.

أكثر من عقدين على رأس جماعة البدوزة، انتقال من الانتخابات البرلمانية إلى الجماعية، إعادة انتخاب متتالية، ثم انتخاب بالإجماع سنة 2021، كلها معطيات تجعل تجربة الزرهوني حالة سياسية محلية تستحق الدراسة، خصوصا في ظل التحولات التي يعرفها المشهد الانتخابي المغربي.

لكن الاختبار الحقيقي سيكون في صناديق اقتراع 2026.

هل ستحتفظ البدوزة بالأرقام الانتخابية الاستثنائية التي جعلتها محط الأنظار سنة 2021؟ وهل ستتكرر معدلات التصويت نفسها؟ وهل ستظل الجماعة رقما انتخابيا حاسما في معادلة الانتخابات بإقليم آسفي؟ أم أن المشهد السياسي المحلي تغير بما يكفي لإنهاء واحدة من أطول فترات الاستمرار السياسي على مستوى الجماعات القروية بالإقليم؟

أسئلة ستجيب عنها الأرقام الرسمية للانتخابات المقبلة، لكن تجربة 2021 جعلت من البدوزة، مرة أخرى، جماعة لا يمكن المرور على نتائجها الانتخابية مرور الكرام.