أثر نيوز- هيئة التحرير
في عمق المجال القروي لإقليم آسفي، وعلى بعد نحو 30 كيلومتراً شرق المدينة، تقع جماعة سيدي عيسى، التي ظلت لأكثر من عقدين واحدة من أبرز القواعد الانتخابية لمحمد أجدية، القيادي بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وأحد الوجوه التي ارتبط اسمها بتدبير الجماعة وبالمشهد الانتخابي في المنطقة منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي.
جماعة قروية تعيش على وقع عدد من الإكراهات التنموية والاجتماعية، لكنها في المقابل تحولت إلى ما يشبه القلعة الانتخابية التي حافظ من خلالها أجدية على حضوره السياسي، رغم تغير الخرائط الحزبية وتعاقب الاستحقاقات ودخول منافسين جدد إلى المنطقة.
فمنذ أكثر من عشرين سنة، ظل اسم الرجل حاضراً في رئاسة الجماعة ومجالسها المتعاقبة، قبل أن ينتقل نفوذه من سيدي عيسى إلى مستوى الإقليم، ثم إلى المؤسسة التشريعية، حيث تمكن من الوصول إلى البرلمان عن الدائرة الجنوبية لآسفي.
واليوم، تعود سيدي عيسى إلى واجهة الانتخابات من جديد، باعتبارها إحدى أهم الأوراق التي يُعوّل عليها أجدية في آخر أشواط السباق الانتخابي لسنة 2026.
أكثر من عشرين سنة من النفوذ
تعود بداية حضور محمد أجدية في تدبير جماعة سيدي عيسى إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، ومنذ ذلك الوقت ظل الرجل رقماً ثابتاً في المشهد السياسي المحلي.
وعلى امتداد هذه السنوات، تغيرت أسماء الأحزاب المنافسة، وتبدلت التحالفات، وظهرت وجوه انتخابية جديدة، لكن أجدية تمكن من الحفاظ على موقعه داخل الجماعة.
وفي انتخابات 2021، عاد الرجل إلى رئاسة المجلس الجماعي، ليواصل بذلك مساراً سياسياً محلياً يمتد لأكثر من عقدين.
وتكشف هذه الاستمرارية عن حجم القاعدة الانتخابية التي راكمها الرجل داخل الجماعة، خصوصاً أن الانتخابات القروية لا تُحسم دائماً بالانتماء الحزبي وحده، وإنما تتداخل فيها العلاقات العائلية والاجتماعية والقبلية والمصالح المحلية.
مصادر محلية قالت إن شبكة العلاقات التي بناها أجدية على مدى سنوات طويلة داخل سيدي عيسى ومحيطها شكلت أحد أبرز عناصر قوته الانتخابية، مشيرة إلى أن الرجل استفاد من حضوره الطويل في تدبير الجماعة ومن شبكة واسعة من العلاقات التي تمتد داخل دواوير المنطقة.
من سيدي عيسى إلى البرلمان
لم يبق نفوذ أجدية محصوراً داخل الجماعة.
ففي الانتخابات التشريعية لسنة 2007، دخل الرجل غمار المنافسة على مستوى الدائرة الجنوبية لإقليم آسفي، وتمكن من الوصول إلى مجلس النواب باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وبعد إلغاء نتائج الدائرة وإجراء انتخابات جزئية، عاد أجدية إلى المنافسة من جديد، ليؤكد حضوره في واحدة من أكثر الدوائر الانتخابية تنافسية بالإقليم.
وبذلك، تحولت سيدي عيسى من جماعة يترأس مجلسها إلى قاعدة انطلق منها أجدية لخوض معارك انتخابية على مستوى أوسع.
ويقول مصدر متابع للشأن الانتخابي بآسفي إن «قوة أجدية لا يمكن فصلها عن سيدي عيسى»، معتبراً أن الجماعة ظلت على مدى سنوات «الخزان الأساسي الذي يستند إليه الرجل في معاركه الانتخابية».
انتخابات 2021.. حين اشتعلت المواجهة
لكن تاريخ الانتخابات في سيدي عيسى لم يخل من التوتر.
فخلال انتخابات 2021، اشتدت المنافسة داخل الجماعة بعدما قرر مرشح عن حزب الاستقلال دخول السباق الانتخابي، قبل أن تتطور الأجواء بين أنصار المتنافسين إلى مواجهات وصدامات.
وتحدثت معطيات محلية عن استعمال العصي خلال تلك المواجهات، فيما تعرض مصور صحافي كان يقوم بتغطية الأجواء الانتخابية للرشق بالحجارة.
وكان المشهد، بحسب المعطيات المتداولة آنذاك، يعكس حجم الاحتقان الذي رافق المنافسة الانتخابية في المنطقة، خصوصاً أن التنافس لم يعد محصوراً في صناديق الاقتراع، وإنما انتقل إلى الشارع.
مصدر من المنطقة قال إن انتخابات 2021 كشفت «إلى أي حد يمكن أن تصبح المنافسة الانتخابية في بعض المناطق القروية مرتبطة بصراع النفوذ»، مضيفاً أن الأحداث التي عرفتها الجماعة آنذاك ظلت حاضرة في ذاكرة عدد من المتابعين.
لماذا يخشى المنافسون سيدي عيسى؟
في انتخابات 2026، لا ينظر المنافسون إلى سيدي عيسى باعتبارها مجرد جماعة قروية.
فالجماعة تمثل إحدى أهم القواعد الانتخابية التي يستند إليها محمد أجدية، ولذلك فإن اختراقها يعني تغيير جزء من المعادلة التي حافظ عليها الرجل لسنوات طويلة.
مصدر مطلع على الخريطة الانتخابية بالإقليم قال إن «سيدي عيسى ستكون من بين الجماعات التي ستخضع لمراقبة دقيقة خلال الأيام الأخيرة من الحملة»، مشيراً إلى أن الصراع فيها لن يكون فقط حول رئاسة الجماعة، وإنما حول الوزن الانتخابي الذي يمكن أن تمنحه نتائجها للمتنافسين على مستوى أوسع.
ويضيف المصدر أن «الفارق بين عدد من المتنافسين قد يجعل أصوات الجماعات القروية حاسمة»، وهو ما يفسر، بحسبه، ارتفاع وتيرة التحركات الانتخابية في المنطقة.
أجدية أمام سؤال الحصيلة
لكن خلف كل هذه الحسابات الانتخابية، تبرز أسئلة أخرى مرتبطة بحصيلة تدبير الجماعة.
فبعد أكثر من عقدين من الحضور السياسي، لم تعد المنافسة بالنسبة إلى أجدية مرتبطة فقط بقدرته على حشد الأصوات، وإنما أيضاً بما يمكن أن يقدمه أمام سكان الجماعة من حصيلة عن سنوات تدبير الشأن المحلي.
مصادر محلية تتحدث عن استمرار مطالب مرتبطة بالطرق والمسالك والبنيات الأساسية والنقل والخدمات الاجتماعية، وهي ملفات ينتظر أن تتحول إلى جزء أساسي من النقاش الانتخابي خلال الأيام الأخيرة من الحملة.
وهنا يبرز سؤال الحصيلة بقوة:
ماذا تحقق في سيدي عيسى خلال أكثر من عشرين سنة من الحضور السياسي لمحمد أجدية؟
ما المشاريع التي غيرت حياة السكان فعلياً؟
وما الملفات التي بقيت معلقة؟
وهل ستمنح الروابط المحلية والانتخابية الرجل القدرة نفسها على تجاوز هذه الأسئلة؟
أسئلة ستكون حاضرة بقوة في هذه الانتخابات، خصوصاً مع دخول منافسين يسعون إلى كسر المعادلة التي ظلت قائمة لسنوات.
جيل جديد يدخل المعركة
وتأتي انتخابات 2026 في سياق مختلف عن الاستحقاقات السابقة.
جيل جديد من الناخبين أصبح حاضراً بقوة، فيما تغيرت وسائل التواصل والحصول على المعلومة، ولم تعد الحملات الانتخابية محصورة في اللقاءات المباشرة والدواوير.
كما أن الملفات التنموية أصبحت أكثر حضوراً في النقاش المحلي، خصوصاً لدى الشباب الذين يطرحون أسئلة مرتبطة بالتعليم والصحة والنقل وفرص الشغل ومستقبل المنطقة.
وهذا ما يجعل معركة سيدي عيسى مختلفة عن الانتخابات السابقة.
فالقوة التي بُنيت على مدى عقدين ستكون هذه المرة أمام اختبار جديد: هل تستطيع الصمود أمام تغير الناخبين والمنافسة الجديدة؟
الداخلية أمام اختبار سيدي عيسى
وبالنظر إلى ما شهدته الجماعة خلال انتخابات 2021 من أجواء متوترة، تترقب فعاليات محلية كيفية تدبير السلطات المحلية والأمنية للأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية ويوم الاقتراع.
مصدر حقوقي قال إن الأولوية يجب أن تكون لضمان حرية الناخبين ومنع أي محاولة للضغط أو التضييق، إلى جانب حماية المرشحين والصحافيين ومراقبي العملية الانتخابية.
ويترقب المتابعون مدى صرامة السلطات في التعامل مع أي تجاوزات قد تعيد المنطقة إلى أجواء انتخابات 2021، خصوصاً أن احتدام المنافسة وارتفاع الرهانات الانتخابية قد يرفعان منسوب التوتر خلال الساعات الأخيرة من الحملة.
القلعة أمام امتحان 2026
محمد أجدية يدخل انتخابات 2026 وهو يحمل معه أكثر من عقدين من الحضور داخل سيدي عيسى.
قاعدة انتخابية بناها على مدى سنوات.
رئاسة جماعة حافظ عليها عبر محطات متعاقبة.
وتجربة برلمانية جعلت اسمه معروفاً خارج حدود الجماعة.
لكن انتخابات 2026 ستضع هذه المعادلة أمام اختبار جديد.
فالمنافسون يعرفون قيمة سيدي عيسى، وأجدية يعرف أكثر من غيره قيمة هذه الجماعة في حساباته الانتخابية.
ولهذا تتجه الأنظار إليها خلال آخر أشواط السباق.
هل سيحافظ أجدية على القلعة التي شكلت أساس نفوذه السياسي طوال أكثر من عشرين عاماً؟
هل تنجح المنافسة في اختراقها؟
هل ستصمد شبكة العلاقات المحلية أمام جيل جديد من الناخبين وأسئلة الحصيلة؟
وهل ستتحول سيدي عيسى مرة أخرى إلى الخزان الذي يمنح أجدية دفعة انتخابية في آخر الأمتار؟
كل هذه الأسئلة ستبقى مفتوحة إلى حين ظهور النتائج، عندما تتحول الحسابات والتحالفات والرهانات إلى أرقام داخل محاضر الفرز.
هناك فقط ستظهر حقيقة الوزن الانتخابي لسيدي عيسى، وحقيقة ما إذا كانت قلعة محمد أجدية لا تزال قادرة على الصمود في انتخابات 2026.
