أثر نيوز- هيئة التحرير 

يبدو أن بعض المشاهد التي تتكرر في تدبير الشأن التعليمي بإقليم أسفي لم تعد مجرد تفاصيل في يوميات الإدارة، ولا صورا بروتوكولية تلتقط على هامش لقاءات نقابية وإدارية، بل باتت تطرح أسئلة جدية حول حدود العلاقة بين مديرية التعليم والنقابات، ومدى احترام المسافة التي ينبغي أن تفصل بين تدبير المرفق العمومي والعمل النقابي.

فالمديرية ليست فضاء للترويج السياسي أو النقابي، والمدير الإقليمي ليس مسؤولا عن إنعاش رصيد هذا التنظيم النقابي أو ذاك، كما أن النقابة ليست مؤسسة تابعة للإدارة حتى تصبح مراسلاتها وبلاغاتها مادة للتداول عبر القنوات الرسمية الموجهة إلى مديري المؤسسات التعليمية.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بأسفي: هل نحن أمام مجرد سلوك إداري غير محسوب العواقب، أم أمام نمط جديد من العلاقات يجعل الإدارة طرفا، ولو بشكل غير مباشر، في منافسة نقابية يفترض أن تظل الإدارة خارجها؟

لا يحتاج المشهد النقابي التعليمي إلى كثير من التحليل لاكتشاف أن بعض التنظيمات التي كانت بالأمس ملء السمع والبصر، لم يعد في رصيدها اليوم إلا التاريخ.

فالنقابة التي كانت ذات يوم رقما صعبا في المعادلة التعليمية وطنيا وإقليميا بأسفي، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف: نزيف تنظيمي، تراجع في الحضور، مغادرة مناضلات ومناضلين نحو تنظيمات نقابية أخرى، وتجميد عضويات احتجاجا على خيارات المكتب الوطني ومواقفه التي يعتبرها جزء من قواعدها متعارضة مع انتظارات الشغيلة التعليمية.

ولعل محطة الحراك التعليمي، وما رافقها من جدل حول النظام الأساسي للتربية الوطنية، شكلت إحدى أكثر اللحظات التي كشفت التباينات العميقة داخل الحقل النقابي. 

ففي الوقت الذي وقعت فيه قيادات نقابية على الصيغة الأولى للنظام الأساسي، فرضت الحركة الاحتجاجية التعليمية إعادة النظر في مضامينه.

ولولا صمود نساء ورجال التعليم واتساع رقعة الاحتجاج والمواقف النقابية الرافضة للنسخة الأولى، لكان من المشروع التساؤل عن حجم التراجعات التي كان يمكن أن تستقر داخل المنظومة التعليمية.

ومن هنا، فإن استحضار التاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للاتجار بالماضي، لأن النقابة لا تعيش بتاريخها فقط؛ بل تقاس بمواقفها الراهنة، وبقدرتها على الدفاع عن الشغيلة، وبمدى استقلال قرارها، وبما راكمته من ثقة لدى قواعدها.

فحين يتراجع الحضور الميداني، تصبح الصورة أحيانا بديلا سهلا عن الفعل.

وهنا تحديدا تطرح لقاءات نقابية وإدارية متواترة علامات استفهام، خصوصا حين لا يبدو أن لها، في نظر عدد من الفاعلين، أثرا ملموسا في الملفات التي تؤرق الأطر التربوية والإدارية، بينما تحظى الصور الملتقطة خلالها بعناية لافتة، قبل أن تجد طريقها إلى منصات التواصل الاجتماعي.

ولا يتعلق الأمر بمبدأ اللقاء بين الإدارة والنقابات، فهو أمر طبيعي وضروري، وإنما بالسؤال الجوهري: ما الذي تخرج به نساء ورجال التعليم من هذه اللقاءات؟ هل هناك حلول لملفات عالقة هل توجد التزامات واضحة هل تمت معالجة اختلالات تدبيرية وهل تم الدفاع عن الحقوق المهنية والاجتماعية للشغيلة أم أن الحصيلة تختزل في صورة جماعية وعبارات عامة سرعان ما تتحول إلى مادة للترويج الافتراضي؟

فالنقابة الجادة لا تحتاج إلى صور مع المسؤول الإداري لإثبات حضورها؛ رصيدها الحقيقي يوجد في المؤسسات التعليمية، وفي ثقة الشغيلة، وفي قدرتها على انتزاع الحقوق، وفي مواقفها حين تصبح كلفة النضال مرتفعة.

لكن الأخطر في المشهد، كما يرويه عدد من المتابعين، يتمثل في تداول مراسلات صادرة عن إحدى النقابات، تحمل هويتها البصرية وشعارها، داخل مجموعات واتساب الخاصة بمديري المؤسسات التعليمية.

وهنا لا بد من التوقف: إذا كانت المراسلة موجهة أصلا إلى المدير الإقليمي، فما الحاجة إلى إعادة نشرها داخل قنوات الإدارة الموجهة إلى مديري المؤسسات؟ وإذا كانت الإدارة تريد إخبار المديرين بمضمون معين، أفليس الأجدر أن يصدر الإخبار عنها هي، وبصيغة إدارية محايدة، بدل إعادة تداول وثيقة تحمل هوية تنظيم نقابي بعينه؟

المسألة ليست تقنية ولا شكلية، وإنما ترتبط بمبدأ الحياد الإداري وتكافؤ المسافة بين الإدارة ومختلف الفرقاء الاجتماعيين.

فمديرو المؤسسات التعليمية ليسوا جمهورا افتراضيا لنقابة بعينها، ومجموعات التواصل الإداري ليست منصات دعائية مفتوحة للتنظيمات النقابية.

وإذا كان من حق أي نقابة أن تراسل الإدارة، فمن حق باقي النقابات أن تطالب بالمعاملة نفسها، ومن حق الشغيلة أن تتساءل عما إذا كانت الإدارة تحافظ فعلا على المسافة ذاتها من جميع الفاعلين النقابيين.

وهنا تتعدد القراءات، فهناك من يرى أن ما يحدث قد يكون مجرد ارتباك في تقدير حدود العلاقة بين الإدارة والعمل النقابي، بما يعكس ضعفا في القدرة على الحفاظ على الاستقلالية والحياد الإداري.

وهناك من يذهب أبعد من ذلك، ويتساءل عما إذا كان الأمر يعكس نوعا من التنسيق غير المعلن يخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، صورة تنظيم نقابي معين، خصوصا في سنة انتخابية تتنافس فيها التنظيمات على استقطاب الشغيلة وترميم مواقعها.

لكن الذي ينبغي أن يحسم في الموضوع ليس التأويلات، وإنما شفافية الإدارة، وتكافؤ تعاملها مع النقابات، وتوضيح أسباب إعادة نشر المراسلات، والمعايير المعتمدة في التواصل مع مديري المؤسسات التعليمية.

فإذا كانت الإدارة تتعامل مع جميع النقابات بالطريقة نفسها، فإن توضيحا مؤسساتيا بسيطا كفيل بتبديد الالتباس. أما إذا كانت هناك انتقائية، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة، لأنها تمس جوهر الثقة في الإدارة.

ثمة حقيقة ينبغي ألا تغيب عن أحد، وهي أن المدير الإقليمي مسؤول عن مرفق عمومي، وليس مسؤولا عن أرصدة التنظيمات النقابية.

ومهمته الأساسية هي ضمان السير العادي للمرفق، وتطبيق القانون، وتدبير الموارد البشرية، وحل النزاعات، والاستماع إلى مختلف الشركاء الاجتماعيين على قدم المساواة.

أما إنعاش التنظيمات النقابية المتراجعة، أو توفير صور لها، أو إعادة نشر مراسلاتها داخل القنوات الإدارية، فليس من صميم اختصاص الإدارة.

بل إن مثل هذه الممارسات، إن ثبتت واستمرت، قد تخلق انطباعا خطيرا بأن الإدارة تحولت من حكم بين الفرقاء إلى طرف داخل المنافسة بينهم، وهو ما ينبغي تفاديه.

فالعمل النقابي يحتاج إلى الاستقلالية، والإدارة تحتاج إلى الحياد، والشغيلة تحتاج إلى الثقة في أن حقوقها لا ترتبط بقرب هذا التنظيم أو ذاك من المسؤول الإداري.

إن معالجة هذه الإشكالات لا تكون عبر حملات فيسبوكية مضادة، ولا عبر تبادل الاتهامات، ولا بتحويل مجموعات واتساب إلى ساحات للتجاذب النقابي.

المطلوب أن توضح مديرية التعليم بأسفي طبيعة قواعد التواصل المعتمدة مع النقابات، وأن تضمن المساواة في التعامل مع مختلف التنظيمات، وتحافظ على الطابع الإداري المحايد لقنوات التواصل الرسمية، وتتجنب كل ما من شأنه أن يوحي بتفضيل تنظيم نقابي على آخر.

كما أن على الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش-أسفي أن تقوم بدورها في التأكد من احترام قواعد الحياد والموضوعية في تدبير العلاقة مع الفرقاء الاجتماعيين.

وعلى النقابات نفسها أن تدرك أن قوة النقابة لا تقاس بعدد الصور التي تلتقطها مع المسؤولين، وإنما بعدد الحقوق التي تدافع عنها، وبصلابة مواقفها، وبمدى ثقة الشغيلة فيها.

أما النقابة التي تفقد قواعدها، وتغادرها مناضلاتها ومناضلوها، ثم تبحث عن تعويض ذلك بحضور افتراضي مدعوم بصور المسؤولين، فلن تستعيد ثقة الشغيلة بمجرد صناعة صورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

إن مديرية أسفي لا تحتاج إلى نقابات تتنافس على صور المسؤولين، وإنما تحتاج إلى نقابات تتنافس على الدفاع عن المدرسة العمومية وكرامة نساء ورجال التعليم.

ولا تحتاج الإدارة إلى نقابات قريبة أو بعيدة، وإنما إلى شركاء اجتماعيين متساوين أمامها، تحترمهم جميعا بالقدر نفسه، وتستمع إليهم جميعا، وتطبق القانون على الجميع.

أما حين تختلط الحدود بين الإدارة والنقابة، وتصبح القنوات الإدارية مجالا لتداول خطاب تنظيم بعينه، فإن السؤال المشروع يصبح أكبر من صورة عابرة أو مراسلة متداولة.

فهل نحن أمام إدارة تحرص على الحياد، أم أمام إدارة بدأت، من حيث تدري أو لا تدري، تتحول إلى جزء من المشهد الدعائي لتنظيم نقابي يبحث عن استعادة حضور فقده في الميدان؟

ذلك سؤال لا تجيب عنه الصور، بل الوقائع وحدها هي التي تجيب.