أثر نيوز - متابعة
أثار ظهور فيروس «هربس السردين» (PHV) في حالات نفوق واسعة للسردين على السواحل الجنوب إفريقية مخاوف علمية ومهنية بشأن مستقبل هذا المورد البحري، في وقت لم يتم فيه تسجيل أي حالة مؤكدة للفيروس في المغرب، وفق المعطيات المتاحة حالياً.
وتكتسي المسألة أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي يشكل السردين أحد أهم موارده السمكية، سواء للاستهلاك الداخلي أو بالنسبة لصناعة التصبير والتصدير، خصوصاً في مدن ساحلية من بينها آسفي، حيث ترتبط به سلسلة اقتصادية تشمل الصيد والنقل والتصنيع والتجارة.
وكانت السلطات الجنوب إفريقية قد أعلنت في 14 غشت الماضي اكتشاف مادة وراثية لفيروس PHV في عينات من السردين، بعد تسجيل حالات نفوق على السواحل الجنوبية للبلاد، مع التأكيد على أن الدور الدقيق للفيروس في هذه الظاهرة لا يزال قيد الدراسة.
وحسب نتائج أولية نقلتها صحيفة «لو ماتان»، تم الكشف عن الفيروس لدى جميع الأسماك النافقة التي شملتها أولى التحاليل، مع تسجيل مستويات مرتفعة لدى عينات تم جمعها مباشرة من مناطق النفوق. كما أظهرت إحدى السلاسل الجينية المدروسة تشابهاً بنسبة 99.7 في المائة مع جين لفيروس سبق تحديده في أستراليا.
وتعيد هذه المعطيات إلى الواجهة تجربة أستراليا خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما شهدت سواحلها موجات واسعة من نفوق السردين. فقد امتدت الظاهرة سنة 1995 على أكثر من 5 آلاف كيلومتر من السواحل الأسترالية ووصلت إلى نيوزيلندا، فيما قدرت الدراسات سرعة تقدم جبهة النفوق في بعض الحالات بما بين 10 و40 كيلومتراً يومياً.
وخلال الموجة الثانية بين 1998 و1999، فقدت أستراليا، وفق الدراسات التي استند إليها الباحث برايان جونز، نحو 60 في المائة من الكتلة الحيوية للسردين في مياهها الجنوبية والغربية، بينما اضطرت مصايد للسردين إلى الإغلاق خلال موسم كامل، وتكبد القطاع خسائر اقتصادية بملايين الدولارات الأسترالية.
ويرى برايان جونز، الذي شارك في أبحاث حول تلك الأوبئة، أن فيروس PHV «شديد العدوى»، موضحاً أن الأسماك المصابة يمكن أن تنقل الفيروس قبل ظهور الأعراض عليها أو قبل أن تبدأ حالات النفوق في لفت الانتباه.
وفي المغرب، دعا حسن السعدوني، الفاعل الاقتصادي ورئيس لجنة الساحل والاقتصاد الأزرق بالاتحاد العام لمقاولات المغرب بجهة مراكش-آسفي، إلى التعامل مع التطورات بحذر دون الوقوع في حالة من الهلع.
وقال السعدوني إن «لا داعي للاستسلام للهلع، لكن لا مجال أيضاً للتهاون»، مشدداً على أن السردين «ليس مجرد منتج من البحر، بل مورد اقتصادي واجتماعي واستراتيجي» بالنسبة للمغرب.
ودعا، في هذا السياق، إلى تعزيز المراقبة العلمية للمخزونات السمكية، وتقوية قدرات المختبرات، وتحسين التنسيق بين الباحثين والإدارة والمهنيين، إلى جانب اعتماد آليات سريعة للتبليغ عن أي حالات نفوق غير اعتيادية.
وتتوفر المملكة بالفعل على منظومة لمراقبة الموارد البحرية، يتولاها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، وتشمل الأسماك السطحية الصغيرة من خلال الحملات العلمية وأخذ العينات وتقييم حالة المخزونات.
كما تخضع واردات منتجات الصيد لمراقبة صحية من طرف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية «أونسا».
غير أن المعطيات المتاحة للعموم لا تسمح بتأكيد وجود برنامج دوري ومحدد للكشف عن فيروس PHV في السردين المغربي.
وفي هذا الصدد، ترى روزماري دورينغتون، أستاذة علم الأحياء الدقيقة بجامعة رودس وعضو الفريق العلمي الذي شارك في التحاليل بجنوب إفريقيا، أن المغرب سيكون من الأفضل له اعتماد مراقبة روتينية لمصطادات السردين للبحث عن الفيروس.
وتوضح دورينغتون أن فريقها سجل مستويات مرتفعة من PHV لدى جميع الأسماك النافقة التي تم تحليلها، بينما تم العثور على مستويات متفاوتة من الفيروس لدى عينة محدودة من الأسماك الحية.
وتقول الباحثة إن وجود الفيروس لدى الأسماك الحية يمكن تفسيره بعدة احتمالات، من بينها وجودها في المراحل الأولى من العدوى، أو امتلاكها درجة من المقاومة، أو احتمال أن يكون الفيروس موجوداً بشكل صامت داخل المخزون السمكي قبل أن يؤدي عامل بيئي إلى إطلاق حالات النفوق.
ولا يزال العلماء يدرسون احتمال ارتباط الظاهرة بعوامل بيئية، مثل نقص الأكسجين، والظروف المحيطية، وتكاثر بعض أنواع الطحالب. غير أن التحاليل لم تكشف عن مستويات مهمة من السموم المرتبطة بالتكاثر الطحلبي الضار في الأسماك النافقة، وفق تصريحات الباحثة.
وتحذر دورينغتون، في المقابل، من التعامل مع الأسماك الطازجة أو المجمدة القادمة من مناطق موبوءة باعتبارها خالية من المخاطر، معتبرة أن هذه الأسماك ينبغي التعامل معها بحذر إلى حين التأكد من انتهاء الوباء.
وبالنسبة للمغرب، تقترح الباحثة إنشاء نظام للمراقبة الجزيئية الروتينية لمصطادات السردين، مع اعتماد اختبارات PCR للكشف عن الفيروس.
وتؤكد أن المختبر الذي تعمل فيه طور اختباراً بسيطاً للكشف عن PHV ويمكن إجراؤه في مختبرات البيولوجيا الجزيئية المجهزة، مبدية استعدادها لتقاسم البروتوكولات العلمية مع باحثين مغاربة.
ورغم هذه التحذيرات، لا توجد، وفق المعطيات المتاحة، دلائل تثبت وصول فيروس PHV إلى المياه المغربية أو انتشاره في مخزونات السردين بالمملكة.
وبالتالي، فإن السؤال المطروح حالياً لا يتعلق بوجود وباء في المغرب، وإنما بمدى جاهزية منظومة المراقبة الوطنية للكشف المبكر عن أي ظهور محتمل للفيروس، خصوصاً في ظل أهمية السردين بالنسبة للأمن الغذائي والاقتصاد البحري وصناعة التصبير المغربية.
