فقدت الساحة الثقافية المغربية والعربية أحد أبرز رواد الشعر المغربي الحديث، بوفاة الشاعر والناقد والأستاذ الجامعي محمد علال السرغيني، عن عمر ناهز 96 عاما، بعد مسار امتد لأكثر من سبعة عقود في الشعر والنقد والتدريس الجامعي.
وتداولت الكثير من الصفحات على مواقع التواصل الإجتماعي خبر رحيل السرغيني، من بينها صفحات لشعراء وأدباء ونقاد وباحثين مغاربة، أغلبهم من طلاب الشاعر المغربي الكبير ينعون رحيله ويعددون مآثره.
ويعد السرغيني، المولود بمدينة فاس سنة 1930، من الأسماء المؤسسة للقصيدة المغربية الحديثة ومن جيل الشعراء الذين أسهموا، منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، في الانتقال بالشعر المغربي من الأشكال التقليدية إلى تجارب الشعر الحديث وقصيدة التفعيلة. وتضعه دراسات نقدية إلى جانب أحمد المجاطي وعبد الكريم الطبال ومحمد الخمار الكنوني ومحمد الميموني ضمن أبرز الأصوات التي ساهمت في تأسيس الحداثة الشعرية المغربية.
مسار علمي بين فاس وبغداد والرباط وباريس
بدأ محمد السرغيني تعليمه بمدينة فاس، قبل أن يتابع دراسته بالقرويين، ثم ينتقل إلى العراق، حيث درس بكلية الآداب بجامعة بغداد وحصل على الإجازة في الآداب سنة 1959. وبعد عودته إلى المغرب، حصل من جامعة محمد الخامس بالرباط على شهادة في الأدب المقارن سنة 1963، ثم نال دكتوراه السلك الثالث سنة 1970، قبل أن يحصل على دكتوراه الدولة من جامعة السوربون بباريس سنة 1985، وفق السير المنشورة عنه.
وعاد السرغيني إلى المغرب ليبدأ مسارا أكاديميا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، حيث اشتغل أستاذا مساعدا منذ 1963، ثم أستاذا محاضرا سنة 1970، قبل أن يرتقي إلى أستاذ للتعليم العالي سنة 1985.
وتولى بين عامي 1986 و1991 منصب نائب عميد كلية الآداب بفاس، وهي الفترة التي ارتبط خلالها اسمه بشكل وثيق بجامعة سيدي محمد بن عبد الله وبفضاء ظهر المهراز، الذي كان أحد أبرز مراكز الحياة الجامعية والثقافية والفكرية بالمغرب.
شاعر من جيل تأسيس الحداثة الشعرية
لم يكن السرغيني مجرد أستاذ جامعي متخصص في الأدب والنقد، بل كان أحد الشعراء الذين شاركوا في صياغة التحول الذي عرفته القصيدة المغربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
وقد بدأ نشر نصوصه في وقت مبكر، إذ تذكر سيرته أنه نشر منذ سنة 1949 في مجلة «الأنيس» بتطوان، قبل أن تتسع مشاركاته في الصحافة والمجلات الثقافية المغربية والعربية. ونشر في صحف ومجلات، من بينها «العلم» و«الاتحاد الاشتراكي» و«أنوال» و«الأقلام» و«تمودا»، كما نشرت نصوصه في عدد من المنابر العربية.
ويحتل السرغيني موقعا بارزا في تاريخ الشعر المغربي الحديث، خصوصا في تجربة الشعر الحر وقصيدة التفعيلة. وتصفه دراسات حول الشعرية المغربية بأنه من الأسماء التي أسهمت في بناء القصيدة الحديثة إلى جانب عدد من أبرز شعراء جيله.
وقد انعكس تكوينه الأكاديمي وانفتاحه المبكر على التجارب الشعرية العربية والعالمية في تجربته الإبداعية، التي امتزج فيها البعد الشعري بالاشتغال النقدي والفكري، واستفادت من الروافد الرومانسية والصوفية والرمزية.
تجربة متعددة الأجناس
توزع إنتاج السرغيني بين الشعر والنقد والرواية والمسرح والترجمة، ما جعله من المثقفين الذين تجاوز حضورهم حدود الكتابة الشعرية إلى فضاء أوسع من البحث الأدبي والفكري.
ومن أبرز أعماله الشعرية «ويكون إحراق أسمائه الآتية» الصادر سنة 1987، و«بحار جبل قاف» سنة 1991، و«الكائن السبئي» سنة 1992، و«من فعل هذا بجماجمكم؟» سنة 1994. كما أصدر أعمالا في النقد والدراسة، من بينها «محاضرات في السيميولوجيا» وكتاب «صلاح ستيتية: دراسة وترجمة».
وفي مجال الكتابة السردية أصدر رواية «وجدتك في هذا الأرخبيل»، فيما ارتبط اسمه في المسرح بعمل «أغنية القطار الشبح». كما انشغل بالترجمة والنقد الأدبي، وهو ما يعكس اتساع اهتماماته وتعدد مجالات اشتغاله.
أستاذ أجيال من الطلبة
إلى جانب إنتاجه الأدبي، ارتبط اسم السرغيني بجامعة فاس، حيث تتلمذت على يديه أجيال من الطلبة والباحثين والمثقفين، خصوصا خلال العقود التي شكلت فيها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بظهر المهراز فضاء مركزيا للنقاش الأدبي والفكري بالمغرب.
وكان حضوره الأكاديمي يتجاوز قاعات الدرس إلى الحياة الثقافية العامة، من خلال مشاركاته في الملتقيات والمهرجانات والندوات الأدبية والشعرية، فضلا عن مساهماته في الصحافة الثقافية.
ويحضر السرغيني، في شهادات عدد من المثقفين الذين عرفوه، بوصفه أستاذا ومثقفا اتسم بالحضور الإنساني إلى جانب مكانته العلمية والأدبية. ويصفه أحد تلامذته بأنه كان شخصية استثنائية في الطيبة والإنسانية والثقافة والفكر، مستحضرا دوره في تشجيع الطلبة على مواصلة دراساتهم العليا خلال فترة توليه منصب نائب عميد كلية الآداب بفاس.
رحيل أحد آخر وجوه الجيل المؤسس
يأتي رحيل محمد السرغيني ليطوي صفحة من تاريخ الشعر المغربي الحديث، بعد مسار طويل عاصر خلاله التحولات الكبرى التي عرفتها القصيدة العربية والمغربية، من بروز الشعر الحر وقصيدة التفعيلة إلى التجارب الشعرية الجديدة التي ظهرت لاحقا.
وكان السرغيني من الجيل الذي وضع اللبنات الأولى للحداثة الشعرية المغربية في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، في مرحلة كان فيها الشعر العربي يشهد تحولات عميقة في العراق وسوريا ولبنان ومصر، وهي التجارب التي تفاعل معها عدد من الشعراء المغاربة، ومن بينهم السرغيني.
وبرحيله، تفقد الثقافة المغربية واحدا من أصواتها المؤسسة في الشعر الحديث، كما تفقد الجامعة المغربية أحد أساتذتها الذين جمعوا بين التدريس والبحث والنقد والإبداع، فيما تظل أعماله الشعرية والنقدية شاهدة على مرحلة مفصلية من تاريخ الأدب المغربي المعاصر.
وقد بلغ السرغيني عامه السادس والتسعين، بعد أن أمضى عقودا في خدمة الشعر والأدب والتدريس، تاركا وراءه تجربة أدبية وأكاديمية تمتد من فاس إلى بغداد والرباط وباريس، ومن القرويين إلى الجامعة المغربية، ومن القصيدة إلى النقد والترجمة والسرد والمسرح.