بعد تجربة مالية وقضائية قاسية انتهت بخسائر كبيرة وأغلقت أمامه أبواب مرحلة كاملة من الاستثمار، اختار كريم بصالي، المستثمر الشاب المنحدر من مدينة آسفي، ألا ينهي قصته عند نقطة الانهيار.
الشاب الذي بدأ مساره المهني من تجارة الأسماك، قبل أن ينتقل إلى مجالات استثمارية أخرى، يقول إنه قرر العودة مجدداً إلى نقطة البداية، ولكن هذه المرة بخبرة أكبر، وحذر أكبر، ورهان واضح على القطاع الذي يعرفه جيداً: تجارة وتسويق المنتجات البحرية.
اليوم، يتحرك بصالي مجدداً بين ميناء آسفي، وميناء الصويرية القديمة، وأسواق الدار البيضاء ومراكش، محاولاً إعادة بناء نشاطه التجاري تدريجياً، بعد مرحلة يقول إنها استنزفته مالياً ونفسياً وقضائياً.
ولا يخفي أن الطريق إلى العودة لم يكن سهلاً.
البداية من السمك
قبل السيارات والاستثمارات الأخرى، كان كريم بصالي يعرف طريقه إلى الميناء وأسواق السمك.
بدأ تجربته المهنية في قطاع تجارة الأسماك، واكتسب من خلاله خبرة في شراء وتسويق المنتجات البحرية وربط المنتج بالأسواق، وهي تجربة يقول إنها شكلت أساس مساره المهني.
وخلال بداياته، اشتغل إلى جانب محمد الحيداوي، المرتبط اسمه بنادي أولمبيك آسفي، قبل أن يبدأ في توسيع نشاطه والانتقال إلى مجالات استثمارية أخرى.
كان الانتقال بالنسبة إليه جزءاً من محاولة بناء نشاط اقتصادي أكبر، فدخل مجال كراء السيارات، كما ارتبط نشاطه بتجارة وتصدير الأسماك.
لكن التجربة التي بدت في بدايتها فرصة لتوسيع أعماله تحولت لاحقاً إلى واحدة من أصعب مراحل حياته المهنية.
حين تحولت الثقة إلى أزمة
يقول بصالي إن الأزمة بدأت داخل نشاطه في مجال كراء السيارات، بعدما وضع ثقته في أشخاص وأسند إليهم، بحسب روايته، مهام مرتبطة بتسيير جزء من أعمال الشركة.
وبحسب المعطيات الواردة في الشكاية التي سبق أن حصلت عليها صحيفة «أثر نيوز»، فقد ارتبطت القضية بعشرات السيارات التي كانت في ملكية الشركة، فيما تحدث المشتكي عن خسائر مالية تجاوزت مليار سنتيم، إلى جانب التزامات وديون تجاه شركات التمويل.
ويروي بصالي أنه لم يكتشف حجم الاختلالات إلا بعد ظهور إشعارات مرتبطة بمتأخرات في الأداء، ليجد نفسه أمام التزامات مالية لم تكن، بحسب روايته، قد سويت بالطريقة التي كان يفترض أن تتم بها.
ويقول إن مبالغ مالية كان يفترض أن تخصص لأداء أقساط شركات التمويل، وقدرها في حدود تتجاوز 500 مليون سنتيم، أصبحت لاحقاً جزءاً أساسياً من النزاع الذي دخل فيه.
هذه الوقائع تظل، في جانبها المتعلق بالمسؤوليات الجنائية والمالية، مرتبطة بما ورد في الشكايات والمساطر القضائية، ولا يمكن اعتبارها حكماً نهائياً على الأطراف المعنية قبل استنفاد المسار القضائي.
خسارة المال.. ثم خسارة التوازن
بالنسبة إلى بصالي، لم تكن الخسارة مجرد أرقام مكتوبة في حسابات شركة.
يقول إن انهيار النشاط التجاري وما رافقه من التزامات ونزاع قضائي ترك آثاراً عميقة على حياته الشخصية، ووضعه أمام مرحلة طويلة من الضغط النفسي.
ويتحدث عن فترة احتاج خلالها إلى علاج نفسي طويل، في وقت وجد نفسه مضطراً إلى مواجهة أسئلة مرتبطة بمستقبل أعماله وممتلكاته والتزاماته المالية.
كانت المرحلة، بحسب وصفه، أشبه بسقوط مفاجئ من موقع المستثمر الذي كان يوسع نشاطه إلى شخص يحاول أولاً استيعاب ما حدث، ثم البحث عن طريقة للوقوف من جديد.
لكن بصالي يقول إنه وصل في النهاية إلى قناعة واحدة: لا يمكن أن يبدأ من جديد إلا بالعودة إلى المجال الذي يعرفه أكثر.
العودة إلى الميناء
من هنا بدأت فكرة العودة إلى تجارة الأسماك.
لم يختر بصالي نشاطاً جديداً بعيداً عن تجربته، بل عاد إلى القطاع الذي شكل بدايته الأولى، مستفيداً من شبكة العلاقات والخبرة التي راكمها خلال سنوات العمل.
وبين ميناء آسفي والصويرية القديمة، ثم أسواق الدار البيضاء ومراكش، بدأ من جديد في بيع وشراء وتسويق الأسماك.
بالنسبة إليه، العودة ليست مجرد محاولة لتوفير مصدر دخل جديد، وإنما اختبار جديد لقدرة المستثمر على إعادة بناء نفسه بعد خسارة كل ما راكمه تقريباً.
ويقول إن تجربته السابقة في القطاع تمنحه أفضلية مهمة: فهو يعرف طبيعة السوق، وتقلباته، ومسارات توزيع المنتجات البحرية، كما يعرف أن تجارة السمك لا تحتمل كثيراً من الأخطاء، وأن النجاح فيها مرتبط بسرعة اتخاذ القرار، وجودة المنتوج، والثقة في التعاملات.
مسمكتان جديدتان في آسفي ومراكش
ولا يريد بصالي أن تتوقف عودته عند التجارة بالجملة والتسويق.
فبحسب ما يكشفه، يخطط لافتتاح مسمكتين بمدينة آسفي وأخرى بمراكش، في خطوة يسعى من خلالها إلى الانتقال من مجرد شراء وتسويق الأسماك إلى بناء نشاط تجاري أكثر استقراراً ووضوحاً.
المشروع، كما يقدمه صاحبه، يقوم على استثمار التجربة التي راكمها خلال سنوات اشتغاله في القطاع، ومحاولة تحويلها إلى مشروع تجاري جديد داخل المدينة التي انطلق منها.
اختيار آسفي ليس صدفة.
فالمدينة بالنسبة إلى بصالي ليست فقط مكاناً لمشروعه المقبل، وإنما هي السوق الذي يعرفه، والميناء الذي بدأ منه، والبيئة الاقتصادية التي راكم داخلها أولى تجاربه.
من الصفر.. ولكن بخبرة مختلفة
يقول بصالي إنه لا ينظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها عودة إلى نقطة الصفر بالمعنى الكامل.
صحيح أنه خسر جزءاً كبيراً مما بناه خلال سنوات، لكن التجربة تركت لديه شيئاً لا يمكن مصادرته بسهولة: المعرفة.
لقد دخل عالم الاستثمار شاباً، وجرب توسيع نشاطه، وانتقل من تجارة الأسماك إلى كراء السيارات ومجالات أخرى، ثم وجد نفسه أمام أزمة كلفته، بحسب روايته، أموالاً كبيرة وأدخلته في مسار قضائي ونفسي صعب.
اليوم، يعود إلى المجال الأول، ولكن بعقلية مختلفة.
الرهان هذه المرة ليس على التوسع السريع، وإنما على إعادة بناء النشاط خطوة خطوة، انطلاقاً من قطاع يعرف تفاصيله، ومن مدينة يعرف سوقها، ومن تجربة يقول إنها علمته أن أكبر المخاطر في عالم الأعمال قد لا تأتي دائماً من السوق نفسه، وإنما أحياناً من طريقة إدارة الثقة والأموال.
تجربة ثانية في انتظار الحكم عليها
قصة كريم بصالي لم تنته بعد.
فالعودة إلى تجارة الأسماك وافتتاح مسمكتين جديدتين لا يعنيان بالضرورة أن التجربة الجديدة ستنجح، كما أن الخسائر التي يقول إنه تعرض لها لا تعني، في حد ذاتها، أن النهاية قد كتبت لمساره الاستثماري.
إنها ببساطة محاولة ثانية.
رجل بدأ من تجارة السمك، غادرها بحثاً عن فرص استثمارية أكبر، خسر الكثير خلال تجربة كراء السيارات، ودخل في نزاع ذي أبعاد مالية وقضائية، قبل أن يعود إلى المكان الذي يعرفه أكثر من غيره.
في آسفي، حيث بدأت الحكاية، يريد كريم بصالي أن يبدأ فصلاً جديداً.
ليس من الصفر تماماً، كما يقول، بل من الصفر الذي تسبقه سنوات من التجربة والخسارة والتعلم.
وهذه المرة، يراهن على السمك.