شهدت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط «OCP» خلال هذا الأسبوع سلسلة من التطورات والقرارات التي طالت بنيتها الإدارية، وأسواقها الخارجية، وأبحاثها الصناعية، فضلاً عن مشاريع الطاقة والتثمين.

ومن تعيين هشام الهبطي كاتباً عاماً للمجموعة، إلى تأمين إمدادات ضخمة من الأسمدة للسوق البرازيلية، مروراً بالتحرك نحو إنشاء منصة في بنما لخدمة أسواق أمريكا اللاتينية، ووضع ملف الكبريت والفوسفوجيبس ضمن أولويات البحث والتطوير، وصولاً إلى تشغيل أول نظام كبير لتخزين الكهرباء بالبطاريات في بنكرير، ثم زيارة السفير الكوري للجرف الأصفر، بدا الأسبوع وكأنه يرسم ملامح جديدة لسلسلة القيمة الفوسفاطية، من المادة الأولية إلى الطاقة والأسواق النهائية.

الهبطي يعود إلى قلب منظومة OCP

افتتح الأسبوع بخبر تعيين هشام الهبطي، رئيس جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، كاتباً عاماً جديداً لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط.

ويحمل الهبطي تجربة تمتد داخل منظومة OCP منذ سنة 2013، حيث اشتغل في عدد من المسؤوليات المرتبطة بالتدبير والابتكار وتطوير المنظومات التكنولوجية والعلمية، قبل أن يتولى رئاسة جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية منذ سنة 2020.

ويأتي انتقاله إلى الكتابة العامة للمجموعة في سياق أصبحت فيه العلاقة بين الصناعة والبحث العلمي والابتكار جزءاً مركزياً من استراتيجية OCP، خصوصاً مع توسع الجامعة في البحث التطبيقي، وريادة الأعمال، وتطوير حلول مرتبطة مباشرة بحاجيات الصناعة.

وبذلك، لا يمثل التعيين مجرد تغيير في موقع إداري، بل يعيد إلى الواجهة مساراً مهنياً يجمع بين التدبير الصناعي، والبحث العلمي، والابتكار، وهي مجالات أصبحت حاضرة بقوة في المشاريع الجديدة للمجموعة.

البرازيل.. 3.8 ملايين طن من الأسمدة

في الجرف الأصفر، كان الموعد مع أحد أكبر الملفات التجارية لهذا الأسبوع.

فقد وقعت شركة OCP Nutricrops مذكرة تفاهم مع وزارة الزراعة والثروة الحيوانية البرازيلية، تتعلق بتأمين إمدادات من الأسمدة للسوق البرازيلية تصل إلى 3.8 ملايين طن خلال سنتي 2026 و2027.

وجاء الاتفاق على هامش زيارة وفد حكومي برازيلي إلى المغرب، حيث جرى توقيع المذكرة بين وزير الزراعة والثروة الحيوانية البرازيلي أندريه دي باولا، والرئيس التنفيذي لـOCP Nutricrops فارس دريج.

وتكتسي الصفقة أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الكبير للسوق الزراعية البرازيلية وحاجتها إلى الأسمدة، كما تكشف عن استمرار توجه المغرب نحو تثبيت موقعه كمورد رئيسي للمدخلات الفوسفاطية في واحدة من أهم القوى الزراعية في العالم.

وبحسب معطيات نقلتها وسائل إعلام عن وزارة الزراعة البرازيلية، فإن الكمية المتفق عليها تعادل حوالي 76 في المائة من العجز الذي قدرته الحكومة البرازيلية بخمسة ملايين طن، ما يعطي للاتفاق وزناً يتجاوز مجرد عملية تجارية ظرفية.

بنما.. عين OCP على أمريكا اللاتينية

وفي موازاة تعزيز الحضور في البرازيل، برزت بنما باعتبارها نقطة أخرى في خريطة التوسع نحو أمريكا اللاتينية.

المعطيات المتداولة هذا الأسبوع تشير إلى بحث السلطات البنمية مع مجموعة OCP إمكانية إقامة مركز عمليات أو منصة إقليمية في بنما يمكن أن تستخدم لتزويد أسواق أمريكا اللاتينية بالأسمدة.

ولا يتعلق الأمر، وفق المعطيات المتاحة، بمنصة دخلت مرحلة التشغيل، وإنما بمشروع يجري بحث شروطه وإمكاناته.

وتكتسب الفكرة أهميتها من الموقع الجغرافي لبنما وشبكتها اللوجستية، بما يمكن أن يجعلها، في حال إنجاز المشروع، نقطة ارتكاز لتوزيع منتجات الأسمدة نحو عدد من الأسواق في المنطقة.

وهنا تبدو الصورة أكثر وضوحاً: البرازيل تمثل سوقاً ضخمة يجري تعزيز الإمدادات إليها، بينما يمكن لبنما أن تتحول إلى عقدة لوجستية لخدمة نطاق أوسع من أسواق أمريكا اللاتينية.

الكبريت.. المعركة الصناعية التي تنتقل إلى المختبر

وفي بنكرير، اتخذ ملف الكبريت بعداً بحثياً جديداً مع إنشاء مركز SULFEX بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، وتكليف الدكتور حميد معزوز بقيادته.

ويأتي إنشاء هذا المركز في سياق بحث OCP عن حلول تكنولوجية تقلل الاعتماد على الكبريت المستورد.

وتكمن حساسية هذا الملف في أن الكبريت يدخل في إنتاج حمض الكبريتيك، وهو بدوره عنصر أساسي في سلسلة إنتاج الأسمدة الفوسفاطية.

وبحسب المعطيات المنشورة حول المركز، فإن الأبحاث ستتجه إلى عدة مسارات، من بينها استرجاع الكبريت من الفوسفوجيبس، والبحث عن مصادر أخرى للكبريت في المغرب وإفريقيا، وتحسين العمليات الصناعية، إلى جانب تطوير بدائل وحلول يمكن أن تخفف الاعتماد على الواردات.

وبذلك ينتقل ملف الكبريت من كونه مسألة مرتبطة بالتوريد الصناعي إلى قضية بحث وتطوير ذات بعد استراتيجي.

الفوسفوجيبس.. من عبء صناعي إلى مادة قابلة للتثمين

وبالتوازي مع ملف الكبريت، يتحرك OCP في اتجاه آخر يتعلق بالفوسفوجيبس، وهو أحد المنتجات الثانوية الناتجة عن تصنيع حمض الفوسفوريك.

وفي هذا الإطار، أُسند إلى عبد الجليل شكير ملف استراتيجي يتعلق بتثمين الفوسفوجيبس وتطوير حلول صناعية للاستفادة منه.

ويكتسي الملف أهمية خاصة مع ارتفاع حجم الإنتاج الصناعي للفوسفاط ومشتقاته، وما يفرضه ذلك من البحث عن استعمالات ذات قيمة مضافة للمواد الثانوية الناتجة عن عمليات التصنيع.

كما أن تقاطع هذا الملف مع أبحاث الكبريت يجعل منه جزءاً من منظومة بحثية وصناعية أوسع، خصوصاً أن استرجاع الكبريت من الفوسفوجيبس أحد المسارات التي يجري بحثها ضمن استراتيجية تقليل الاعتماد على الواردات.

وتظهر المعطيات الرسمية للمجموعة أن منصة OCP الجديدة في مزيندة، مثلاً، تعتمد منذ تصميمها على تخزين كامل للجبص الفوسفاطي وعلى عمليات دائرية مغلقة واسترجاع السوائل المستعملة، في إطار توجه نحو تعزيز الاستخدام المستدام للموارد.

بنكرير.. الشمس تدخل مرحلة التخزين

وفي جبهة الطاقة، شهد هذا الأسبوع تطوراً لافتاً في موقع بنكرير، مع تشغيل نظام لتخزين الكهرباء باستخدام بطاريات LFP، أي فوسفات الحديد والليثيوم.

النظام تبلغ قدرته 25 ميغاواط، وبسعة تخزين تصل إلى 125 ميغاواط ساعة، بما يسمح بتخزين الكهرباء لمدة تصل إلى خمس ساعات.

ويتم شحن البطاريات من الطاقة الشمسية خلال فترات الإنتاج المرتفع، ثم استعمال الكهرباء المخزنة عندما ترتفع الحاجة إلى الطاقة، بما يساعد على مواءمة إنتاج الكهرباء الشمسية مع الطلب الصناعي المستمر.

وتبلغ قيمة الاستثمار في المشروع حوالي 170 مليون درهم، فيما دخل النظام مرحلة الاختبارات والتشغيل التدريجي بعد وضعه تحت التوتر.

ويمثل المشروع، وفق المعطيات المنشورة، أول نظام كبير من هذا النوع في المغرب يعتمد بطاريات LFP على نطاق واسع.

ويأتي ذلك ضمن المرحلة الأولى من برنامج OCP Green Energy للطاقة الشمسية، التي تشمل قدرة إجمالية تبلغ 202 ميغاواط ذروة موزعة بين بنكرير وفوم تيزي وأولاد فارس بخريبكة.

وهكذا لا يتوقف الرهان عند إنتاج الكهرباء من الشمس، بل ينتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً: تخزين الطاقة المتجددة وإعادة استخدامها وفق حاجيات المنظومة الصناعية.

الجرف الأصفر.. الدبلوماسية الاقتصادية تختتم الأسبوع

واختُتم أسبوع OCP بزيارة السفير الكوري الجنوبي لدى المغرب، يون يونجين، إلى المركب الصناعي بالجرف الأصفر، رفقة سفراء عدد من الدول الآسيوية.

وتأتي الزيارة في إطار التعرف على المنصة الصناعية التي تعد من أكبر مراكز إنتاج الأسمدة الفوسفاطية في العالم، واستكشاف آفاق التعاون الاقتصادي والصناعي.

وتزامنت الزيارة مع الحضور البرازيلي في الجرف الأصفر وتوقيع مذكرة التفاهم الخاصة بإمدادات الأسمدة، وهو ما جعل الموقع الصناعي خلال نهاية الأسبوع فضاءً يلتقي فيه الإنتاج والتصدير والدبلوماسية الاقتصادية.

أسبوع واحد.. سبع رسائل من قلب الفوسفاط

عند جمع هذه التطورات، يتضح أن أسبوع OCP لم يكن مجرد سلسلة من الأخبار المتفرقة.

تعيين هشام الهبطي يعكس حضور البحث والابتكار داخل بنية القيادة.

3.8 ملايين طن للبرازيل تعكس استمرار التوسع في الأسواق الزراعية الكبرى.

مشروع بنما يفتح احتمال بناء منصة لوجستية لخدمة أمريكا اللاتينية.

SULFEX يضع الكبريت في صلب البحث الصناعي.

ملف الفوسفوجيبس يفتح جبهة جديدة في تثمين المنتجات الثانوية.

بطاريات LFP في بنكرير تنقل الطاقة الشمسية من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة التخزين والتحكم في الاستعمال.

أما زيارة السفير الكوري للجرف الأصفر فتضيف بعداً دبلوماسياً واقتصادياً إلى أسبوع حافل بالتحركات الدولية.

والخيط الذي يجمع كل هذه الملفات هو محاولة بناء منظومة أكثر تكاملاً حول الفوسفاط: من استخراج المادة الخام، إلى تحويلها، وتأمين مدخلاتها، وتطوير التكنولوجيا الخاصة بها، وتثمين مخلفاتها، وإنتاج الطاقة التي تحتاجها، ثم نقل منتجاتها إلى الأسواق العالمية.


وهذا بالضبط ما جعل هذا الأسبوع واحداً من أكثر الأسابيع كثافة في أجندة المجموعة خلال الفترة الأخيرة.