محمد المسير | مدير النشر
ثمة شيء تغيّر في علاقة المغاربة بالانتخابات.
ليس من السهل تحديد اللحظة التي بدأ فيها هذا التغيّر، ولا يمكن اختزاله في رقم واحد أو نسبة واحدة. لكنه حاضر في الحديث اليومي، في المقاهي والبيوت ومواقع التواصل، وفي تلك الجملة التي تتكرر كثيراً: «وماذا سيتغير إذا صوّتُ؟».
هذه الجملة، في ظاهرها بسيطة. لكنها في السياسة ليست كذلك.
لأن المواطن الذي يسأل عن جدوى صوته لا يسأل فقط عن الانتخابات، وإنما يسأل عن معنى أن يكون مواطناً، وعن معنى أن يختار، وعن المسافة التي تفصل الورقة التي يضعها في الصندوق عن القرار الذي سيؤثر في حياته بعد ذلك.
لهذا تبدو انتخابات 2026، بالنسبة إلى المغرب، أكبر من مجرد تنافس بين الأحزاب على مقاعد البرلمان. إنها، قبل كل شيء، امتحان جديد لعلاقة السياسة بالمجتمع.
امتحان للثقة.
وامتحان للأحزاب.
وامتحان للناخب نفسه.
الدراسة الميدانية حول السلوك الانتخابي للطبقة الوسطى بالمغرب، التي تناولت انتخابات 2011 و2016، تكشف مفارقة تستحق التوقف عندها: فالموقف من الانتخابات لم يكن، في الأصل، موقف رفض. كثيرون كانوا يرون في التصويت حقاً وأداة مهمة للمشاركة السياسية، لكن هذا الاقتناع لم يتحول بالضرورة إلى مشاركة فعلية. وفي عينة الدراسة، كان عدم الثقة في الانتخابات والأحزاب السياسية من أبرز أسباب عدم التصويت.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالعزوف ليس دائماً ذلك الكسل السياسي الذي نحب أن نصف به الذين لا يذهبون إلى صناديق الاقتراع. أحياناً يكون العزوف نتيجة اقتناع، مؤلم لكنه واضح، بأن العملية السياسية لا تمنح المواطن ما يكفي من الأسباب لكي يشارك.
وقد يكون المواطن مخطئاً.
وقد يكون محقاً.
لكن المهم، بالنسبة إلى أي نظام سياسي، ليس فقط أن يعرف لماذا يصوت الناس، وإنما أن يعرف أيضاً لماذا يمتنعون.
الناخب الذي لا يثق
في الانتخابات، لا يكفي أن تفتح أبواب مكاتب التصويت.
يجب أن يكون هناك شيء آخر غير الباب والصندوق والورقة.
يجب أن يكون هناك شعور بأن الصوت لن يضيع في الطريق.
الدراسة التي بين أيدينا تشير إلى أن أفراد الطبقة الوسطى كانوا ينظرون إلى المشاركة الانتخابية باعتبارها مهمة من حيث المبدأ، لكن جزءاً مهماً منهم لم يكن يثق في الانتخابات أو الأحزاب أو المرشحين. وخلصت إلى أن الإحجام عن التصويت يعكس، في جانب منه، أزمة ثقة في المؤسسات السياسية وآليات التمثيل.
وهذا النوع من الأزمات لا يظهر فجأة.
إنه يتراكم.
يتراكم حين يسمع المواطن وعداً ولا يرى نتيجته. حين يرى حزباً في المعارضة يقول شيئاً، ثم يراه في الحكومة يفعل شيئاً آخر. حين يصبح البرنامج الانتخابي ورقة موسمية، تظهر في الحملة ثم تختفي مع انتهاء ليلة الاقتراع.
ويتراكم أيضاً حين يشعر المواطن أن صوته مطلوب يوم الانتخابات، لكنه غير مطلوب بعد الانتخابات.
وهنا تصبح الانتخابات بالنسبة إليه موعداً عابراً، لا عقداً سياسياً بين الناخب ومن ينتخبه.
الترحال.. السياسة التي لا تجد بيتاً
وفي الجهة الأخرى من المشهد، هناك السياسي.
ذلك الذي يفترض أن يقنع المواطن بالبقاء داخل الحياة السياسية، لكنه يجد نفسه أحياناً غير قادر حتى على البقاء داخل الحزب الذي ترشح باسمه.
الترحال السياسي ليس مجرد انتقال من لون حزبي إلى آخر.
السياسة بطبيعتها تعرف التحولات، والأفكار تتغير، والتحالفات تتبدل، والسياسي قد يراجع مواقفه. لكن المسألة تصبح مختلفة حين يتحول الحزب إلى محطة مؤقتة، وحين يصبح الانتقال مرتبطاً بموقع انتخابي أو فرصة أفضل للترشح.
عندها لا يعود السؤال: ماذا تغير في قناعة السياسي؟
بل يصبح السؤال أكثر قسوة: هل كانت هناك قناعة أصلاً؟
الدستور المغربي حاول معالجة هذه الظاهرة، ومن بين مقتضياته ما يرتبط بتجريد البرلماني من صفته في حالة التخلي عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها. وجاء هذا المقتضى في سياق سياسي كان فيه الترحال الحزبي إحدى الإشكالات المطروحة بقوة.
لكن النصوص وحدها لا تصنع الحياة السياسية.
القانون يستطيع أن يمنع حالة معينة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الانتماء.
والحزب الذي لا يملك مشروعاً واضحاً، ولا حياة داخلية حقيقية، ولا قدرة على إقناع أعضائه قبل إقناع الناخبين، سيظل معرضاً لأن يتحول إلى مجرد لافتة انتخابية.
وهنا تصبح صورة المشهد غريبة:
ناخب يبتعد عن الحزب لأنه لا يثق به، وسياسي يبتعد عن الحزب لأنه لم يعد يرى فيه مستقبله.
وفي الحالتين، يخسر الحزب شيئاً من معناه.
لكن من يشكل الحكومة؟
ربما هناك سوء فهم مستمر لدى جزء من النقاش العام حول الانتخابات المغربية.
المغاربة لا ينتخبون رئيس الحكومة مباشرة.
هم ينتخبون أعضاء مجلس النواب، ومن نتائج هذه الانتخابات يتحدد الحزب الذي يتصدر المشهد البرلماني. وبموجب الفصل 47 من الدستور، يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ثم يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.
لكن الفوز بالمركز الأول لا يعني امتلاك مفاتيح الحكومة كاملة.
فهناك البرلمان، وهناك موازين القوى، وهناك الحاجة إلى تشكيل أغلبية قادرة على منح الحكومة سنداً سياسياً وبرلمانياً.
وهنا تبدأ المرحلة التي لا يراها الناخب دائماً في يوم الاقتراع: المفاوضات، التحالفات، توزيع المواقع، وتحديد شكل الأغلبية.
لقد أظهرت تجربة 2016، التي تناولتها الدراسة، كيف يمكن للحزب المتصدر أن يجد نفسه أمام عملية شاقة لتشكيل الحكومة، كما أن طبيعة الاقتراع النسبي وتعدد الأحزاب يؤديان إلى تشتت الأصوات والمقاعد، ويجعلان بناء التحالفات جزءاً أساسياً من الحياة السياسية بعد الانتخابات.
وهذا يعني أن المواطن حين يضع ورقته في الصندوق لا يختار الحكومة بصورة مباشرة، لكنه يساهم في رسم الخريطة التي ستتشكل داخلها الحكومة.
وهذا فرق مهم.
لأن فهم الانتخابات يبدأ من فهم هذه الآلية.
ماذا يريد المغربي من الانتخابات؟
ربما لا يريد المغربي شيئاً معقداً.
يريد أن يعرف فقط: ماذا سيحدث بعد أن تنتهي الحملة؟
هل ستبقى الوعود؟
هل سيحاسب المنتخب؟
هل يستطيع المواطن أن يسأل ممثله: ماذا فعلت خلال السنوات الماضية؟
هل يستطيع الحزب أن يقول بوضوح: هذا ما وعدنا به، وهذا ما أنجزناه، وهذا ما فشلنا فيه؟
هذه الأسئلة البسيطة هي التي تمنح الانتخابات معناها.
والدراسة تشير إلى أن أفراد الطبقة الوسطى الذين شاركوا في التصويت كانوا يميلون، في اختياراتهم، إلى دوافع مرتبطة بالبرنامج الانتخابي وكفاءة المرشحين وتفضيل حزب على آخر، بينما كانت الاعتبارات الشخصية، مثل القرابة والجوار والصداقة، أقل حضوراً في إجابات العينة.
لكن مرة أخرى، لا ينبغي تحويل هذه النتيجة القديمة إلى صورة ثابتة عن الناخب المغربي في 2026.
فالبلد تغير.
والأحزاب تغيرت.
والاقتصاد تغير.
والجيل الذي كان في العشرين من عمره سنة 2011 أصبح اليوم في منتصف الثلاثينيات، بينما دخل جيل جديد إلى المجال الانتخابي يحمل أسئلته الخاصة، ويستهلك السياسة بطريقة مختلفة، ولا ينتظر بالضرورة أن تأتيه من مقر الحزب أو من المهرجان الخطابي.
وهذا الجيل قد لا يقاطع لأنه ضد الديمقراطية.
قد يقاطع لأنه لا يجد في المعروض السياسي ما يقنعه.
وهذا فرق جوهري.
انتخابات 2026.. المعركة التي لا تظهر في صناديق الاقتراع
لهذا سيكون من الخطأ اختزال انتخابات 2026 في سؤال واحد: من سيحتل المرتبة الأولى؟
السؤال الأعمق هو: من يستطيع أن يقنع المغاربة بأن السياسة ما زالت تستحق المشاركة؟
فقد يفوز حزب بالمركز الأول، وقد تتشكل حكومة جديدة، وقد تتغير التحالفات، وقد تظهر وجوه جديدة.
لكن ماذا لو بقي جزء كبير من المجتمع خارج الصندوق؟
ماذا يعني أن تكون هناك حكومة منتخبة، بينما يشعر عدد متزايد من المواطنين أن الانتخابات لا تمثلهم؟
هنا لا تعود المشكلة مشكلة حزب.
تصبح مشكلة نظام التمثيل كله.
ولهذا فإن العزوف والترحال السياسي ليسا ظاهرتين منفصلتين.
الأولى تقول إن المواطن لا يجد دائماً سبباً كافياً للانخراط.
والثانية تقول إن جزءاً من النخبة السياسية لم ينجح دائماً في جعل الانتماء الحزبي التزاماً مستقراً ومقنعاً.
وبينهما تتآكل الثقة ببطء.
لا يحدث ذلك في يوم واحد، ولا تصنعه انتخابات واحدة.
إنه يحدث مثل الأشياء التي تتراكم بصمت؛ لا ينتبه إليها أحد في البداية، ثم يأتي يوم يصبح فيه السؤال أكبر من أن يُخفى.
لماذا لا يصوت الناس؟
وقد يكون السؤال الأكثر إلحاحاً في 2026 هو سؤالاً آخر:
ماذا فعلت الأحزاب لكي تجعلهم يريدون التصويت؟
فالانتخابات ليست فقط يوم الاقتراع.
الانتخابات تبدأ قبل ذلك بسنوات، في الحزب الذي يحترم أعضاءه، وفي السياسي الذي يبقى وفياً لمشروعه، وفي البرنامج الذي يمكن مساءلة أصحابه عنه، وفي المواطن الذي يشعر أن صوته ليس مجرد رقم يضاف إلى مجموع الأصوات.
وعندما يصل الناخب إلى الصندوق وهو مقتنع بأن صوته يمكن أن يغير شيئاً، تصبح الديمقراطية ممارسة.
أما عندما يصل إليه وهو يسأل عن جدوى صوته، ثم يعود إلى بيته مقتنعاً بأن شيئاً لن يتغير، فإن المشكلة لا تكون في الناخب وحده.
المشكلة تكون في المسافة التي صنعتها السياسة بين المواطن وصوته.
وهذه، في نهاية المطاف، هي المعركة الحقيقية لانتخابات 2026.
