يعيش نادي أولمبيك آسفي واحدة من أكثر المراحل صعوبة وحساسية في تاريخه الحديث، بعدما وجد نفسه، عقب سقوطه إلى القسم الوطني الثاني، أمام وضعية مالية وإدارية غير مسبوقة، تعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول طريقة تدبير النادي، وحجم الديون المتراكمة، ومآل الموارد المالية التي ضخها الشركاء والمؤسسات العمومية خلال السنوات الأخيرة.

فالفريق الذي عاد إلى القسم الاحترافي الأول سنة 2004، بعد أكثر من 46 سنة قضاها في القسم الثاني، بات اليوم أمام واقع رياضي وإداري مختلف تماماً عما كان عليه خلال السنوات التي سبقت صعوده إلى قسم الصفوة.

وبينما عرف النادي، على امتداد السنوات، تعاقب عدد من الرؤساء والمكاتب المسيرة، ظلت تفاصيل الوضعية المالية، بحسب متابعين للشأن الرياضي المحلي، محاطة بقدر كبير من الغموض، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة، في وقت كانت فيه تصريحات سابقة لمسؤولي النادي تتحدث عن وضعية مالية «إيجابية»، مقابل معطيات سابقة كانت تشير إلى تدبير مالي أكثر استقراراً.

من «صفر درهم» من الديون إلى «وحش الديون»

تكشف المعطيات التي حصلت عليها «أثر نيوز» أن الوضعية المالية الحالية لأولمبيك آسفي تثير علامات استفهام كبيرة، خصوصاً عند مقارنتها بما كانت عليه مالية النادي في مراحل سابقة.

ففي نهاية موسم 2003/2004، الذي شهد صعود الفريق إلى القسم الأول، كانت الوضعية المالية المعلنة للنادي، وفق المعطيات المتوفرة، قد وصلت إلى إنهاء الموسم دون ديون، أي بما يعادل «صفر درهم» من الديون.

غير أن الصورة تغيرت بشكل كبير خلال السنوات اللاحقة، قبل أن تتفاقم الوضعية بصورة أكبر منذ تولي محمد الحيداوي رئاسة النادي سنة 2022، خلفاً لعبد الرحيم حنان، الذي تولى رئاسة الفريق في مرحلة انتقالية.

وخلال هذه الفترة، ارتفعت التزامات النادي المالية بشكل لافت، ما استدعى تدخل عدد من الشركاء والسلطات المحلية للمساهمة في تجاوز أزمات مالية متتالية، وهو ما مكن الفريق، في بعض المراحل، من تجاوز اختناقات مرتبطة بمستحقات اللاعبين والتزاماته تجاه مختلف الأطراف.

غير أن هذه التدخلات، بحسب المعطيات التي توصلت بها «أثر نيوز»، لم تنجح في وضع حد نهائي لتراكم النزاعات، إذ سرعان ما عادت الديون إلى الواجهة بأرقام أكبر.

بعد كأس العرش.. تصفية الديون ثم عودة النزاعات

من المفارقات التي تكشف حجم الأزمة أن أولمبيك آسفي، بعد تتويجه بكأس العرش، كان قد تمكن، وفق المعطيات التي حصلت عليها «أثر نيوز»، من تصفية جميع الديون المرتبطة باللاعبين لدى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.

وكان يفترض أن يشكل ذلك التتويج نقطة انطلاق جديدة للفريق، خصوصاً بعد الإنجاز الرياضي الذي أعاد الاعتبار لأولمبيك آسفي وجماهيره.

لكن، ووفق المعطيات نفسها، لم يدم هذا الوضع طويلاً، إذ عاد «وحش الديون» إلى الظهور مجدداً، وهذه المرة عبر نزاعات ومساطر قانونية مرتبطة بلاعبين ومدربين وأطراف رياضية أخرى.

وتشير المعطيات التي حصلت عليها «أثر نيوز» إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA طالب النادي بأداء مبلغ يناهز 250 مليون سنتيم، في حين وصلت المطالب المرتبطة بملفات لدى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى حوالي 900 مليون سنتيم.

وبذلك، فإن مجموع المبالغ موضوع النزاعات، وفق هذه المعطيات، يتجاوز 2 مليار و200 مليون سنتيم، وهي مبالغ لا تتعلق، بحسب المصادر نفسها، بديون تجارية عادية، وإنما أساساً بنزاعات مرتبطة بلاعبين ومساطر قانونية تم تفعيلها ضد إدارة النادي.

وإذا تأكدت هذه الأرقام من خلال الافتحاص المنتظر، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد عجز مالي ظرفي، وإنما بأزمة تتطلب الوقوف على أسبابها ومراحل تشكلها والمسؤوليات المرتبطة بها.

30 لاعباً بعد كأس العرش.. خمسة فقط في بداية الموسم الجديد

ولا تقف تداعيات الأزمة عند الجانب المالي، بل امتدت إلى التركيبة البشرية للفريق.

فبعدما كان أولمبيك آسفي يتوفر، عقب تتويجه بكأس العرش، على حوالي 30 لاعباً ضمن تركيبته، لم يتبق، مع انطلاق التربص الإعدادي للموسم الجديد، سوى خمسة لاعبين، وفق المعطيات التي حصلت عليها «أثر نيوز».

ويعكس هذا الانهيار في تركيبة الفريق حجم الصعوبات التي واجهتها الإدارة في الحفاظ على لاعبيها وتسوية الملفات المرتبطة بهم، في وقت يفترض فيه أن يكون النادي بصدد بناء فريق قادر على العودة سريعاً إلى القسم الأول.

ويطرح هذا الوضع سؤالاً أساسياً: كيف يمكن لفريق نزل حديثاً إلى القسم الثاني أن يعيد بناء تركيبته الرياضية في ظل نزاعات مالية متراكمة، وملفات مفتوحة أمام الهيئات الرياضية الوطنية والدولية؟

معركة الرئاسة تخفي سؤالاً أكبر

وفي خضم هذه الأزمة، تصاعد خلال الأسابيع الأخيرة الجدل داخل مكونات النادي، بالتزامن مع بروز أسماء وأجنحة مختلفة، ودخول عضو النادي خالد الشاكنة على خط المنافسة من أجل الوصول إلى رئاسة أولمبيك آسفي.

وقد تحولت هذه الرغبة إلى محور نقاش واسع داخل محيط الفريق، خصوصاً مع تصريحات الشاكنة وانتقاداته لطريقة تدبير النادي خلال السنوات الماضية.

لكن، في العمق، تبدو معركة الرئاسة مجرد واجهة لصراع أكبر يتعلق بمستقبل أولمبيك آسفي، وبالطريقة التي ينبغي أن تتم بها معالجة الاختلالات التي أوصلت الفريق إلى الوضع الحالي.

فالمشكلة، وفق عدد من المعطيات المتداولة داخل محيط النادي، لم تعد مرتبطة فقط بمن سيجلس على كرسي الرئاسة، وإنما أصبحت مرتبطة بسؤال أكثر جوهرية: كيف وصل أولمبيك آسفي إلى هذا الحجم من الديون والنزاعات رغم الدعم الذي حصل عليه من شركائه والمؤسسات العمومية؟

اجتماعات بعمالة آسفي.. والاتجاه نحو افتحاص شامل

وفي تطور لافت، علمت «أثر نيوز» من مصادر مطلعة أن اجتماعات مهمة عقدت خلال الفترة الأخيرة على مستوى عمالة إقليم آسفي، في ظل تزايد الضغوط على مختلف المتدخلين، وارتفاع أصوات الجماهير المطالبة بإيجاد حلول للوضعية المالية والرياضية للنادي.

وبحسب المصادر ذاتها، فقد جرى، بتوجيه ومتابعة من عامل إقليم آسفي، التداول في عدد من السيناريوهات الرامية إلى إخراج النادي من أزمته، قبل التوجه نحو خيار إجراء افتحاص إداري ومالي شامل.

ويهدف هذا الافتحاص، وفق المعطيات نفسها، إلى الوقوف بدقة على الوضعية المالية والإدارية للنادي، وتحديد حجم الالتزامات والديون، ومصادرها، وكيفية صرف الموارد التي استفاد منها الفريق، فضلاً عن تقييم طرق التدبير خلال السنوات الماضية.

كما جرى، بحسب المصادر ذاتها، التداول في إحداث لجنة حكماء تعمل على تقديم مقترحات وتوصيات بشأن مستقبل النادي، على أن تتكفل الإدارة بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه من إجراءات وترتيبات.

ويبدو أن هذا التوجه يعكس انتقال التعامل مع أزمة أولمبيك آسفي من مرحلة البحث عن موارد مالية إضافية لإنقاذ الموسم إلى مرحلة محاولة تشخيص أصل الأزمة، وتحديد مكامن الخلل قبل ضخ أي أموال جديدة.

افتحاص بتكليف من OCP

وفي السياق نفسه، تفيد المعطيات التي حصلت عليها «أثر نيوز» بأن المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) دخل على خط معالجة الوضعية، من خلال تكليف شركة دولية متخصصة بالتدقيق في الحسابات.

ووفق المصادر نفسها، فإن مهمة الشركة تتمثل في إعداد تقرير شامل حول الجوانب المالية والإدارية للنادي، ووضع خلاصاته رهن إشارة الجهات المختصة والسلطات المعنية.

ويُنتظر أن يشمل هذا العمل، بحسب المعطيات المتوفرة، فحص الحسابات والالتزامات المالية، وتتبع أوجه صرف الموارد، والوقوف على مختلف الملفات التي أدت إلى تراكم النزاعات.

وفي حال أظهرت نتائج الافتحاص وجود اختلالات مالية تستوجب ترتيب مسؤوليات قانونية، فإن الجهات المختصة قد تتجه، وفق المساطر القانونية المعمول بها، إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة وإحالة الملفات التي تتوفر بشأنها عناصر قانونية كافية على القضاء.

وهنا تبرز أهمية الافتحاص باعتباره آلية لتحديد الوقائع والمسؤوليات بعيداً عن الاتهامات المتبادلة، خصوصاً أن الحديث عن احتمال وجود تبديد لأموال عمومية يظل، في هذه المرحلة، مجرد فرضية لا يمكن الجزم بها قبل صدور نتائج التدقيق وقيام الجهات المختصة بما يلزم قانوناً.

ولم يقتصر تدخل المكتب الشريف للفوسفاط، وفق المعطيات المتوفرة، على الجانب المالي، إذ جرى أيضاً إدخال خبرة تقنية جديدة إلى منظومة النادي.

وفي هذا الإطار، تم، بمبادرة من المكتب، استقدام المدير التقني الفرنسي Nicolas Jean Dupuis للعمل مستشاراً تقنياً بمركز التكوين.

وتتمثل المهمة، بحسب المعطيات المتاحة، في المساهمة في تقييم الاختيارات التقنية، وتعزيز التنسيق بين مختلف مكونات المشروع الرياضي، إلى جانب العمل على تطوير منظومة التكوين وإدماج اللاعبين الشباب في الفريق الأول.

ويأتي هذا التوجه في وقت أصبح فيه الاستثمار في مركز التكوين وإعادة بناء الفريق على أسس مستدامة من بين أبرز التحديات المطروحة أمام أولمبيك آسفي، خصوصاً بعد فقدانه عدداً كبيراً من لاعبيه ودخوله مرحلة جديدة في القسم الثاني.

هل تكون الأزمة بداية لإعادة بناء النادي؟

بين السقوط إلى القسم الثاني، وتراكم النزاعات المالية، وتراجع عدد اللاعبين من نحو 30 إلى خمسة، وتصاعد الخلافات داخل محيط النادي، يجد أولمبيك آسفي نفسه أمام لحظة مفصلية قد تحدد مستقبله لسنوات مقبلة.

فالنادي الذي احتاج إلى أكثر من أربعة عقود ونصف للعودة إلى القسم الأول سنة 2004، أصبح اليوم مطالباً بإعادة بناء مشروعه الرياضي والإداري من نقطة تكاد تكون الصفر.

لكن الأزمة الحالية قد تتحول، في المقابل، إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، إذا أفضى الافتحاص المرتقب إلى تشخيص دقيق لمكامن الخلل، وإذا تم التعامل مع نتائجه بجدية واستقلالية، بعيداً عن الحسابات المرتبطة بالصراعات الانتخابية أو الشخصية.