استنفرت معطيات وتقارير رفعتها مصالح الشؤون الداخلية بعدد من العمالات والأقاليم، المصالح المركزية بوزارة الداخلية، على خلفية مؤشرات وصفت بالمقلقة بشأن طرق تدبير عدد من الجمعيات المستفيدة من الدعم العمومي المخصص لتأمين خدمات النقل المدرسي والجامعي.

وحسب المعطيات المتوفرة، فإن التقارير المعنية، التي شملت أقاليم تابعة لجهات الدار البيضاء-سطات، وبني ملال-خنيفرة، وطنجة-تطوان-الحسيمة، رصدت مجموعة من الاختلالات ذات الطابع المحاسبي والمالي في تدبير جمعيات تنشط في مجال النقل، وتستفيد من تمويلات عمومية في إطار اتفاقيات شراكة مبرمة مع جماعات ترابية.

وأثارت هذه المعطيات انتباه سلطات الوصاية، التي أعطت، وفق مصادر مطلعة، تعليمات من أجل الانتقال إلى مرحلة أوسع من التحقق الميداني، عبر مباشرة أبحاث وتدقيقات حول كيفية تدبير الأموال المرصودة لهذه الخدمات، ومدى تقيد الجمعيات المعنية بالالتزامات المنصوص عليها في اتفاقيات الشراكة والقواعد القانونية والمحاسبية الجاري بها العمل.

لجان تفتيش لتتبع المال العام

وتشير المعطيات ذاتها إلى أن السلطات الترابية شرعت في تشكيل لجان تفتيش على المستوى الإقليمي، بهدف فحص الوضعية المالية والإدارية للجمعيات المعنية، والوقوف على طرق صرف الدعم العمومي، فضلاً عن التحقق من مدى مطابقة النفقات المصرح بها للعمليات والخدمات المنجزة فعلياً.

وينتظر أن تشمل عمليات التدقيق، بحسب المصادر نفسها، الوثائق المحاسبية والمالية، وكشوفات الحسابات البنكية، ومداخيل الجمعيات، ومساهمات الأسر والمنخرطين، إلى جانب المصاريف المرتبطة بتسيير أسطول النقل وأداء مستحقات السائقين ومختلف المتدخلين.

وتأتي هذه التحركات في سياق تزايد الاعتماد على الجمعيات لتأمين خدمات النقل المدرسي والجامعي، خصوصاً بالمناطق التي تعرف خصاصاً في وسائل النقل العمومي، حيث أصبحت هذه الجمعيات شريكاً أساسياً للجماعات الترابية في توفير خدمة تستهدف بالأساس ضمان وصول التلاميذ والطلبة إلى المؤسسات التعليمية.

معاملات نقدية خارج المسالك البنكية

ومن أبرز المؤشرات التي وردت في التقارير التي استنفرت مصالح وزارة الداخلية، تسجيل معاملات مالية نقدية خارج المسالك البنكية المعتمدة، إلى جانب استخلاص مساهمات منخرطين وأسر مستفيدة من خدمات النقل دون أن تكون هذه المبالغ، في بعض الحالات، موثقة أو مودعة بالحسابات البنكية للجمعيات وفق الضوابط المحاسبية.

وتطرح هذه الممارسات، في حال تأكدها من خلال عمليات التفتيش، إشكالات جدية تتعلق بإمكانية تتبع الموارد المالية ومطابقة المداخيل المصرح بها مع المبالغ التي يتم تحصيلها فعلياً.

كما أن ضعف توثيق العمليات المالية قد يجعل عملية تحديد مصادر الأموال وأوجه صرفها أكثر تعقيداً، خصوصاً بالنسبة للجمعيات التي تستفيد في الوقت نفسه من دعم عمومي بموجب اتفاقيات مع الجماعات الترابية.

ضعف أنظمة المراقبة الداخلية

وتفيد المعطيات المتداولة بأن التقارير سجلت أيضاً ما وصف بضعف أنظمة المراقبة الداخلية لدى عدد من الجمعيات، بما قد يحد من قدرتها على ضمان تتبع دقيق لمختلف العمليات المالية.

ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الأموال التي تتولى بعض هذه الجمعيات تدبيرها، إذ يتعلق الأمر بموارد عمومية يتم ضخها في إطار اتفاقيات شراكة يفترض أن تكون مرفقة بآليات للتتبع والمراقبة والتقييم.

كما يطرح الأمر تساؤلات حول مدى انتظام مسك الوثائق المحاسبية، وشفافية استخلاص المساهمات، وكيفية صرف الدعم، ومدى احترام بنود الاتفاقيات الموقعة مع الجماعات الترابية.

تدقيق في العلاقة بين الدعم العمومي والخدمة المقدمة

ولا تقتصر عملية التدقيق المرتقبة على الجانب المحاسبي فقط، إذ يفترض أن تمكن الأبحاث الميدانية من مقارنة حجم الدعم العمومي الذي تستفيد منه الجمعيات مع طبيعة الخدمات التي تقدمها فعلياً للمستفيدين.

ومن المنتظر أن تركز عمليات المراقبة، ضمن هذا الإطار، على عدد المستفيدين، وعدد الرحلات المنجزة، وحظيرة المركبات المستعملة، ومصاريف الوقود والصيانة، وأجور السائقين، إضافة إلى مختلف المصاريف المرتبطة بتوفير خدمة النقل.

ويكتسي هذا التدقيق أهمية خاصة، بالنظر إلى أن أي اختلال في تدبير الموارد المخصصة للنقل المدرسي والجامعي قد تكون له انعكاسات مباشرة على استمرارية الخدمة، وعلى التلاميذ والطلبة المستفيدين منها.