أثر نيوز- إيمان الركيك

قبل ثلاثة أسابيع من موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تبدو المعركة الانتخابية في دائرة آسفي مرتبطة، بخريطة محلية دقيقة تتوزع بين الجماعات القروية والحضرية، وتضع شبكات المنتخبين المحليين وحجم حضورهم داخل الدواوير في صلب الحسابات الانتخابية.

في البدوزة، شمال آسفي، على الطريق الساحلية، لا يحتل البرنامج الانتخابي صدارة الأحاديث اليومية. ذلك تزامنًا مع وصول نبأ ترشيح فيصل الزرهوني رئيس الجماعة نفسه مجددا للبرلمان، بعدما ظل لـ20 سنة كاملة يترشح في نفس المنصب. الأولويات التي تتكرر في النقاشات داخل القرى ترتبط بالطريق، والماء، والنقل، والخدمات الإدارية، وبأشخاص يُنظر إليهم باعتبارهم قادرين على التدخل لدى الإدارات لقضاء مصالح السكان.

وتتكرر هذه القضايا، بدرجات متفاوتة، في عدد من الجماعات القروية بالإقليم، لتشكل جزءاً من البيئة التي تتحرك داخلها الحملات الانتخابية، خصوصاً في دائرة تضم 25 جماعة ترابية، من بينها ثلاث جماعات حضرية هي آسفي وجمعة سحيم وسبت جزولة، مقابل 22 جماعة قروية.

هذا التوزيع الترابي يجعل الانتخابات التشريعية في الإقليم مرتبطة بشكل وثيق بقدرة المرشحين والأحزاب على بناء شبكات محلية واسعة، في وقت تظل فيه المشاركة الانتخابية عاملاً حاسماً في تحديد وزن كل كتلة انتخابية.

أرقام 2021.. ستة مقاعد وستة فائزين

تقدم نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 8 شتنبر 2021 صورة واضحة عن طبيعة المنافسة في دائرة آسفي.

فقد توزعت المقاعد الستة التي كانت مخصصة للدائرة آنذاك على ستة أحزاب، دون أن يتمكن أي حزب من الحصول على مقعدين.

وجاءت الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى بـ32.226 صوتاً، متبوعة بحزب الاستقلال بـ20.966 صوتاً، ثم الحركة الشعبية بـ18.406 صوتاً، والتجمع الوطني للأحرار بـ16.763 صوتاً، والحركة الديمقراطية الاجتماعية بـ14.524 صوتاً، والاتحاد الدستوري بـ12.820 صوتاً.


وفي المقابل، حصل حزب التقدم والاشتراكية على 10.455 صوتاً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 9.936 صوتاً، فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 5.130 صوتاً.

وبلغت نسبة المشاركة 48,17 في المائة، وفق الأرقام الواردة في المعطيات الانتخابية، فيما بلغ عدد المصوتين حوالي 176.505، وسجلت 24.574 ورقة ملغاة.

أنفوجرافيك: خريطة تفاعلية لفهم الانتخابات في آسفي

وتكشف هذه النتائج عن خريطة شديدة التشتت، إذ لم يتمكن أي حزب من فرض هيمنة انتخابية على الدائرة، بينما توزعت المقاعد بين عدة ألوان سياسية.

#الجماعةالوسطالدائرةسكان 2024% الإقليمناخبون (تقدير)ملاحظة انتخابية
1آسفيحضريةحضرية323.88845.01%169.676
2أييرقرويةحرارة30.8704.29%16.172
3حرارةقرويةحرارة30.0254.17%15.729
4سبت جزولةحضريةحضرية24.6003.42%12.887
5الغياتقرويةجزولة23.1093.21%12.106
6نكاقرويةجزولة21.9963.06%11.523
7مول البركيقرويةحرارة18.8562.62%9.878
8الصعادلةقرويةحرارة18.1342.52%9.500
9المراسلةقرويةعبدة17.9972.5%9.428
10سيدي التيجيقرويةعبدة17.1972.39%9.009
11خط أزكانقرويةجزولة16.6912.32%8.744
12أولاد سلمانقرويةجزولة16.4572.29%8.621قلعة معلنة لهشام سعنان (الاستقلال)
13لمعاشاتقرويةجزولة15.8302.2%8.293
14بوكدرةقرويةعبدة15.7072.18%8.228عبد الإله الفوهيري (جبهة القوى الديمقراطية) — ثلاثاء بوكدرة
15البدوزةقرويةحرارة14.2781.98%7.480فيصل الزرهوني (الاتحاد الدستوري) — رئيس الجماعة
16لبخاتيقرويةعبدة13.7311.91%7.193رشيد صابر (التجمع الوطني للأحرار) — رئيس الجماعة سابقاً
17لحضرقرويةعبدة12.8091.78%6.710
18العمامرةقرويةجزولة12.0251.67%6.300
19دار سي عيسىقرويةحرارة11.9491.66%6.260
20جمعة سحيمحضريةحضرية11.8651.65%6.216قلعة معلنة لهشام سعنان (الاستقلال)
21الكرعانيقرويةعبدة10.8591.51%5.689
22شهدةقرويةعبدة10.4491.45%5.474
23المصابيحقرويةعبدة10.4431.45%5.471
24التوابتقرويةجزولة10.3781.44%5.437
25سيدي عيسىقرويةعبدة9.5281.32%4.991محمد اجدية (الاتحاد الاشتراكي) — رئيس الجماعة
المصادر: سكان الجماعات من ملف المؤشرات الديموغرافية والاجتماعية-الاقتصادية لإقليم آسفي، الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، المندوبية السامية للتخطيط (المديرية الجهوية مراكش–آسفي). تقدير الناخبين: نسبة المسجلين في اللوائح الانتخابية بالإقليم سنة 2021 (377.015 ناخباً مقابل 719.671 نسمة، أي 52,4%) مطبَّقة على سكان كل جماعة — تقدير تحريري لا معطى رسمياً؛ الأرقام المفصّلة لكل جماعة تصدر عن اللجن الإدارية للوائح الانتخابية. الحدود الترابية: OpenStreetMap. إعداد: أتار نيوز.

والأهم في هذه المعادلة أن الفوارق بين عدد من الفائزين والمرشحين الذين كانوا قريبين من عتبة الفوز لم تكن كبيرة بما يكفي لإلغاء تأثير الكتل الانتخابية المحلية.

الجماعة كرافعة انتخابية

في الانتخابات المحلية، لا تتحرك المنافسة فقط وفق الانتماء الحزبي أو الخطاب السياسي، بل تتداخل معها عوامل مرتبطة بحجم الحضور المحلي للمرشح وشبكة علاقاته داخل الجماعات والدواوير.

ويبرز المنتخبون المحليون في هذا السياق باعتبارهم حلقة وصل بين السكان والإدارة، وهو ما يمنح بعضهم قدرة على تعبئة ناخبين يعرفونهم بشكل مباشر، خصوصاً في المناطق القروية.



وتتعلق المطالب المتداولة في هذه المناطق عادة بملفات ذات طابع يومي، من الطرق والمسالك والماء والكهرباء والنقل، إلى الرخص والوثائق الإدارية وفرص الشغل الموسمية والخدمات الاجتماعية.

هذه القضايا تجعل العلاقة بين الناخب والمنتخب المحلي مختلفة في طبيعتها عن العلاقة التي تربط الناخب بالمرشح الوطني، إذ تستند في كثير من الحالات إلى معرفة مباشرة وشبكة اجتماعية متداخلة.

ومن هنا، تتحول الجماعة الترابية إلى وحدة أساسية في الحساب الانتخابي، ويصبح حجم الأصوات التي يستطيع منتخب محلي تعبئتها عاملاً مؤثراً في قدرة اللائحة على المنافسة.

المال والروابط العائلية.. ملف حساس

إلى جانب الحضور التنظيمي والشبكات المحلية، تطرح الانتخابات في المجال القروي تحديات مرتبطة بما يُتداول حول استخدام المال الانتخابي والروابط العائلية والقبلية في التعبئة.

ولا يعني ذلك أن جميع الجماعات أو المرشحين يعتمدون هذه الأساليب، غير أن هذه الممارسات تشكل، في الخطاب الانتخابي المحلي، أحد الملفات التي تحضر مع كل استحقاق.

وتزداد حساسية الموضوع بالنظر إلى اتساع المجال الترابي للدائرة وتعدد الجماعات، الأمر الذي يجعل مراقبة الحملات الانتخابية وضبط المخالفات الانتخابية مسؤولية مشتركة بين السلطات والأجهزة المختصة والهيئات السياسية والمرشحين.

أما القاسم الانتخابي، الذي يعتمد على عدد المسجلين وفق النظام المعمول به، فيشكل بدوره أحد العناصر التقنية المؤثرة في توزيع المقاعد، إلى جانب عدد الأصوات المحصل عليها وطريقة احتساب النتائج.

الأسماء المتداولة.. خريطة انتخابية قيد التشكل

في الكواليس الحزبية والمنابر المحلية، بدأت أسماء عدد من المرشحين في الظهور ضمن الحسابات المتعلقة بانتخابات 23 شتنبر، غير أن هذه الأسماء تظل مرتبطة، إلى حين إيداع اللوائح وقبولها رسمياً، بالترشيحات المتداولة وليس باللوائح النهائية.

ومن بين الأسماء التي يجري تداولها، محمد كاريم، البرلماني الحالي عن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي حصل حزبه على أعلى رصيد أصوات في انتخابات 2021.

كما يبرز اسم هشام سعنان عن حزب الاستقلال، مع حديث عن حضوره في جماعتي جمعة سحيم وأولاد سلمان.

وتتداول أوساط محلية اسم عادل السباعي في حسابات الحركة الشعبية، بينما يبرز فيصل الزرهوني، رئيس جماعة البدوزة، باعتباره أحد الوجوه المحلية التي ترتبط قوتها الانتخابية بالجماعة التي يرأسها.


كما يرد اسم رشيد صابر، الرئيس السابق لجماعة لبخاتي، ضمن الحسابات المرتبطة بحزب التجمع الوطني للأحرار، فيما يسعى محمد اجدية، رئيس جماعة سيدي عيسى، إلى تعزيز حضور الاتحاد الاشتراكي في الدائرة.

وفي المقابل، يواجه حزب العدالة والتنمية، وفق المعطيات المتداولة، وضعاً انتخابياً مختلفاً، بالنظر إلى طبيعة رصيده السابق في الإقليم، فيما تدخل أسماء أخرى المنافسة، من بينها عبد الرازق اعبيد عن التقدم والاشتراكية، وبهيجة زنادي عن الإصلاح والتنمية، وهشام أراحي عن الإنصاف، وعبد الإله الفوهيري عن جبهة القوى الديمقراطية.

ويبقى اسم رشيد بوكطاية مطروحاً في النقاش المحلي في انتظار معرفة اللون السياسي الذي سيحمله في الاستحقاق المقبل.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأسماء تبقى متداولة في الأوساط السياسية والإعلامية المحلية، ولا تكتسب الصفة الرسمية إلا بعد إيداع اللوائح الانتخابية وقبولها وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.

سبت جزولة.. ذاكرة انتخابية لم تُمحَ

لا يمكن قراءة انتخابات آسفي دون استحضار ما شهدته سبت جزولة خلال انتخابات 2021، عندما تحولت الخلافات بين أنصار عدد من الأحزاب، في محيط أحد مكاتب التصويت، إلى مواجهات وأعمال عنف.

وشهدت الأحداث آنذاك رشق عناصر من الدرك الملكي والسلطات المحلية بالحجارة، وإحراق سيارة باشا المدينة، وإلحاق أضرار بمرافق عمومية.

وأصبحت تلك الأحداث معروفة محلياً باسم «الخميس الأسود»، قبل أن تأخذ مسارها القضائي.

وتوبع عدد من المتهمين بتهم شملت العصيان بالتعدد، والعنف في حق القوة العمومية، واستعمال السلاح، وتعييب ملك مخصص للمنفعة العامة.

وأصدرت المحكمة الابتدائية بآسفي أحكاماً تراوحت بين أربع سنوات حبسا نافذاً وثلاثة أشهر موقوفة التنفيذ، مع غرامات، قبل أن تعرف بعض الأحكام تعديلات أمام محكمة الاستئناف، مع تبرئة أربعة نشطاء، وفق المعطيات الواردة حول الملف.

وبغض النظر عن المآل القضائي لهذه القضية، فقد تركت أحداث 2021 أثراً في الذاكرة الانتخابية المحلية، وأعادت إلى الواجهة أهمية التدبير الأمني والتنظيمي ليوم الاقتراع، خصوصاً في المناطق التي تعرف تنافساً حاداً بين مرشحين تربطهم شبكات اجتماعية ومحلية قوية.

محمد فطاح أمام أول استحقاق تشريعي بآسفي

منذ أكتوبر 2024، يتولى محمد فطاح مهام عامل إقليم آسفي، خلفاً للحسين شاينان.

وتشكل انتخابات 23 شتنبر أول استحقاق تشريعي يجري في الإقليم خلال فترة توليه المسؤولية، ما يجعل تدبير هذا الموعد الانتخابي من أبرز الاستحقاقات التي تواجه الإدارة الترابية بالإقليم.

وقبل موعد الاقتراع، شهد الإقليم، في 18 غشت 2026، حركة تعيينات شملت عدداً من رجال السلطة، في إطار إعادة ترتيب الإدارة الترابية.

وتأتي هذه التحركات في سياق الاستعداد للاستحقاق الانتخابي، الذي تضع خلاله السلطات الترابية أمامها مهام متعددة، من بينها ضمان احترام القواعد القانونية المنظمة للحملة والاقتراع، وتأمين مكاتب التصويت، ومراقبة مختلف مراحل العملية الانتخابية.

ويكتسي موضوع حياد الإدارة الترابية أهمية خاصة في دائرة تتنافس فيها شخصيات مرتبطة بمجالس جماعية، إذ يفرض القانون على الإدارة التعامل على قدم المساواة مع مختلف المرشحين واللوائح.

ثلاثة أسابيع لحسم الخريطة

مع اقتراب 23 شتنبر، تبدو دائرة آسفي أمام سباق انتخابي مفتوح، في ظل تعدد المرشحين والأحزاب وتوزع الكتلة الانتخابية بين المجالين الحضري والقروي.

وتقدم نتائج 2021 مؤشراً على صعوبة حسم المقاعد الستة من طرف حزب واحد، كما أن الفوارق في الأصوات بين عدد من المتنافسين تجعل لكل جماعة وكتلة انتخابية محلية وزناً في الحساب النهائي.

لكن حسم النتائج لن يرتبط فقط بعدد الأصوات التي حصل عليها كل حزب على المستوى العام، بل أيضاً بقدرة اللوائح على تحقيق انتشار ترابي متوازن، واستقطاب الناخبين في الجماعات المختلفة، والحفاظ على الأصوات المحصل عليها في المناطق التي تشكل تقليدياً خزانات انتخابية لبعض المرشحين.


وفي الوقت نفسه، ستكون نسبة المشاركة وحجم الأصوات الملغاة عاملاً آخر في تحديد شكل المنافسة، كما حدث في انتخابات 2021.

وبينما تستعد الأحزاب لإيداع لوائحها وخوض الأسابيع الأخيرة من الحملة، تبقى الخريطة الانتخابية لآسفي مفتوحة على احتمالات متعددة.

فالدائرة التي وزعت مقاعدها الستة في انتخابات 2021 على ستة أحزاب، تبدو مرة أخرى أمام منافسة قد تحددها تفاصيل محلية دقيقة: من يملك الحضور في الجماعات؟ من يستطيع تعبئة الناخبين؟ ومن ينجح في تحويل هذا الحضور المحلي إلى أصوات انتخابية؟

وستكون صناديق اقتراع 23 شتنبر 2026 هي التي ستقدم الإجابة النهائية عن هذه الأسئلة، بعد انتهاء الحملة وإغلاق مكاتب التصويت وفرز الأصوات وإعلان النتائج الرسمية.