استأنفت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط «أو سي بي» تدفق منتجاتها من الأسمدة الفوسفاتية نحو السوق الأمريكية، من خلال شحنة أولى تقدر بنحو 54 ألف طن من سماد الفوسفات الثلاثي الممتاز (TSP)، وصلت إلى ميناء نيو أورلينز بولاية لويزيانا، في خطوة تعكس عودة المنتجات الفوسفاتية المغربية إلى أحد أكبر الأسواق الزراعية في العالم، بعد سنوات من القيود التجارية.

وتأتي هذه الشحنة قبل أسابيع قليلة من انطلاق الموسم الزراعي الأمريكي الجديد، حيث يُرتقب أن يجري توزيع الأسمدة تدريجياً على المزارعين الأمريكيين لتلبية احتياجاتهم خلال الموسم الفلاحي المقبل.

وتتولى تسويق الشحنة شركة OCP North America، التابعة للمجموعة المغربية في الولايات المتحدة، في وقت تسعى فيه «أو سي بي» إلى إعادة تنشيط حضورها التجاري في السوق الأمريكية والاستفادة من نافذة مؤقتة أتاحتها السلطات الأمريكية أمام المنتجات الفوسفاتية المغربية.

54 ألف طن من الفوسفات الثلاثي الممتاز

تتكون الشحنة من حوالي 54 ألف طن من سماد الفوسفات الثلاثي الممتاز (TSP)، وهو نوع من الأسمدة يوفر الفوسفور بشكل مستقل عن العناصر الغذائية الأخرى، بما يمنح المزارعين مرونة أكبر في إعداد برامج التسميد وفقاً لاحتياجات المحاصيل الزراعية.

وتكتسب عودة هذه الكميات أهمية خاصة بالنسبة للسوق الأمريكية، بالنظر إلى اقتراب الموسم الزراعي، وما يرافقه من ارتفاع الطلب على الأسمدة الضرورية للإنتاج الفلاحي.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة OCP North America، كيفن كيم، إن هذه العملية تعكس التزام المجموعة بالمساهمة في تأمين إمدادات الأسمدة الفوسفاتية للسوق الأمريكية، معتبراً أن تعليق الرسوم التعويضية مؤقتاً يتيح توسيع مصادر العرض وتسهيل وصول المزارعين إلى المنتجات الفوسفاتية.

تعليق مؤقت للرسوم التعويضية الأمريكية

وتأتي عودة «أو سي بي» إلى السوق الأمريكية عقب قرار اتخذته واشنطن في 29 يونيو يقضي بالتعليق المؤقت للرسوم التعويضية، أو ما يعرف بـ Countervailing Duties (CVDs)، المفروضة على الأسمدة الفوسفاتية المغربية.

وعقب القرار، دخلت المجموعة المغربية في مباحثات مع وزارة التجارة الأمريكية والسلطات المختصة من أجل توضيح الشروط التنظيمية المرتبطة بالتعليق المؤقت، وضمان توافق عملياتها التجارية مع المتطلبات والقواعد المعمول بها في الولايات المتحدة.

وأتاح هذا المسار التنظيمي استئناف عمليات الشحن خلال فترة تعليق الرسوم، لتصبح شحنة نيو أورلينز أول نتيجة تجارية ملموسة لهذه النافذة الجديدة للوصول إلى السوق الأمريكية.

تراجع الإنتاج الأمريكي يضغط على سوق الأسمدة

ويأتي استئناف الواردات المغربية في سياق يشهد، وفق المعطيات التي أوردتها مجموعة «أو سي بي»، ضغوطاً على إمدادات الأسمدة الفوسفاتية في الولايات المتحدة.

وتشير بيانات المجموعة إلى أن وصول الأسمدة الفوسفاتية المغربية إلى السوق الأمريكية ظل مقيداً لأكثر من خمس سنوات، في حين تراجع إنتاج الفوسفات داخل الولايات المتحدة بأكثر من 50 في المائة منذ عام 1995.

ويعني تراجع الإنتاج المحلي زيادة أهمية الواردات بالنسبة إلى السوق الأمريكية، خصوصاً في ظل استمرار الطلب الهيكلي للقطاع الزراعي على الأسمدة الفوسفاتية.

ومن هذا المنظور، يمكن لعودة المنتجات المغربية أن تساهم في تنويع مصادر الإمدادات وتعزيز المنافسة داخل السوق، ولا سيما في فترة تسبق الموسم الزراعي الذي يرتفع خلاله الطلب على المدخلات الفلاحية.

الرهان يتجاوز شحنة الـ54 ألف طن

ورغم أهمية الشحنة الأولى، فإن الرهان بالنسبة إلى «أو سي بي» يتجاوز بكثير الكمية التي وصلت إلى نيو أورلينز.

فالتعليق الحالي للرسوم التعويضية مؤقت، ما يجعل مستقبل الولوج المنتظم إلى السوق الأمريكية مرتبطاً بالقرارات التنظيمية والتجارية المقبلة للسلطات الأمريكية.

وتحتاج الشركات المنتجة والموزعة، من الناحية التجارية واللوجستية، إلى قدر أكبر من الوضوح التنظيمي حتى تتمكن من التخطيط للكميات والاستثمارات وعمليات النقل والتوزيع على المدى المتوسط.

ويمثل السوق الأمريكي، في هذا السياق، وجهة استراتيجية لمنتجي الأسمدة حول العالم، فيما يمكن لعودة أكثر استقراراً للمنتجات المغربية أن تسمح للمجموعة بتعزيز علاقاتها التجارية مع الموزعين والمزارعين الأمريكيين وتوسيع حضورها في السوق.

عودة تجارية تحمل أبعاداً استراتيجية

وتشكل شحنة الـ54 ألف طن، بذلك، أكثر من مجرد عملية تجارية منفردة؛ فهي تمثل إعادة تفعيل للتدفقات التجارية المغربية نحو الولايات المتحدة بعد سنوات من القيود، وتفتح مرحلة جديدة ستظل رهينة بتطور الوضع التنظيمي والرسوم التعويضية.

وسيكون التحدي الأساسي أمام «أو سي بي» خلال الأشهر المقبلة هو تحويل هذه النافذة المؤقتة إلى ولوج أكثر استدامة وقابلية للتوقع إلى السوق الأمريكية، وهو ما سيتوقف على قرارات السلطات الأمريكية، وتطور ملف الرسوم التعويضية، فضلاً عن ظروف المنافسة وحجم الطلب داخل السوق.

وتسلط العملية، في الوقت ذاته، الضوء على معادلة أوسع في سوق الأسمدة الفوسفاتية الأمريكية: ففي الوقت الذي تراجع فيه الإنتاج المحلي بشكل كبير مقارنة بمستوياته التاريخية، يظل القطاع الزراعي الأمريكي بحاجة إلى إمدادات منتظمة من الأسمدة.

وفي هذا السياق، يمكن لاستئناف الإمدادات المغربية أن يساهم في تنويع مصادر التوريد وتعزيز أمن الإمدادات بالنسبة إلى المزارعين الأمريكيين.

وبالنسبة إلى مجموعة «أو سي بي»، فإن شحنة نيو أورلينز تمثل خطوة أولى لإعادة بناء حضورها في السوق الأمريكية، فيما ستحدد التطورات التنظيمية والتجارية المقبلة قدرة المجموعة على تحويل هذه العودة المؤقتة إلى حضور تجاري مستقر في واحد من أهم الأسواق الزراعية عالمياً.