انتقل يونس مجاهد، الرئيس السابق للمجلس الوطني للصحافة، من الدفاع عن الإطار القانوني المنظم للمجلس والصحافة إلى انتقاده، بعد مغادرته رئاسة الهيئة التي ظل يتولى قيادتها منذ أكتوبر 2018، معتبرا في دراسة حديثة أن النموذج الذي أقره المشرع المغربي أفرز «هيئة هجينة غير منسجمة» ولم يضمن للمجلس أداء مهمته الأساسية في حماية أخلاقيات المهنة.

ويأتي موقف مجاهد الجديد بعد سنوات من توليه رئاسة المجلس الوطني للصحافة، وهي الفترة التي شهدت، بحسب منتقدين، تراجعا في وضع الحريات الصحافية وتزايد اللجوء إلى صحافة التشهير، فضلا عن انتقادات متكررة لطريقة تعامل المجلس مع خروقات أخلاقيات المهنة.

وفي دراسة بعنوان «المجلس الوطني للصحافة: التنظيم الذاتي ونظام هيئات المهن الحرة»، نشرتها مجلة «فيض للعلوم الاجتماعية»، يرى مجاهد أن المشرع أنتج، من خلال القانون الجديد المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، هيئة تجمع بين وظيفتين مختلفتين، تتمثل الأولى في تنظيم الولوج إلى المهنة ومنح بطاقة الصحافة، والثانية في السهر على احترام أخلاقيات المهنة، معتبرا أن هذا الجمع أضعف شرعية المجلس وفعاليته.

ويقول مجاهد إن «مهمة الحرص على احترام أخلاقيات الصحافة توارت إلى الخلف»، مقابل بروز المشاكل المرتبطة ببطاقة الصحافة على واجهة عمل المجلس، بينما كان الهدف الأساسي من إنشاء مجالس الصحافة، بحسبه، هو ضمان احترام قواعد وأخلاقيات المهنة من قبل الصحافيين والناشرين.

ويذهب الرئيس السابق للمجلس إلى أبعد من ذلك، إذ يعتبر أن المجلس الوطني للصحافة، سواء في صيغته الأولى أو في الصيغة التي جرى اعتمادها أخيرا، «لا يستوفي معايير مجالس الأخلاقيات كما هي متعارف عليها في التجربة الدولية»، كما أنه «لا يلتزم بشروط الهيئات المنظمة للمهن الحرة» المعروفة في التجربة المغربية.

ويرى مجاهد أن الخلط بين النموذجين أضعف المهمة الأساسية للمجلس، موضحا أن هناك اختلافا جوهريا بين هيئات المهن الحرة، مثل هيئات المحامين والأطباء والصيادلة، التي تنظم مهن مغلقة وتحدد شروط الولوج إليها، وبين مجالس أخلاقيات الصحافة التي تقوم، في التجارب الدولية، على التنظيم الذاتي والتوافق الطوعي بين المهنيين.

ويشير إلى أن الصحافي لا يمكن وضعه في الخانة نفسها التي يوجد فيها المحامي أو الطبيب، لأنه أجير في المقام الأول ولا يتمتع بالاستقلالية التعاقدية نفسها، كما أن علاقته بالجمهور لا تقوم على تقديم خدمة أو استشارة مباشرة، وإنما على إنتاج مادة صحافية تمر عبر مؤسسة إعلامية.

وبحسب الدراسة، فإن مجالس الصحافة في عدد من التجارب الدولية تقوم أساسا على ضمان احترام أخلاقيات المهنة، وتتشكل بشكل طوعي من الصحافيين والناشرين وممثلي المؤسسات الإعلامية، ضمن آليات توافقية وباستقلالية عن السلطات الحكومية.

وانطلاقا من ذلك، يعتبر مجاهد أن النموذج المغربي يحتاج إلى «مراجعة جذرية» تفصل بين تنظيم الولوج إلى المهنة والتنظيم الذاتي لأخلاقياتها، داعيا إلى إصلاح تشريعي شامل يأخذ بعين الاعتبار الفروق بين النموذجين.

من الدفاع عن القانون إلى انتقاده

ويكتسي هذا الموقف الجديد أهمية خاصة بالنظر إلى مواقف سابقة لمجاهد عندما كان على رأس المجلس الوطني للصحافة، إذ دافع عن الإطار القانوني المنظم للمهنة وواجه منتقديه.

ففي حوار مع موقع «هسبريس» في يوليوز 2025، وصف مجاهد الانتقادات الموجهة آنذاك إلى مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بأنها «مزايدات»، في سياق دفاعه عن المشروع وعن المقاربة التي اعتمدها المشرع في تنظيم الهيئة.

غير أن مجاهد، بعد إعفائه من رئاسة المجلس وخروجه من موقع المسؤولية الذي شغله لنحو ثماني سنوات، يقدم اليوم قراءة مختلفة للقانون نفسه، منتقدا بنيته وفلسفته، ومعتبرا أنه لا يستجيب لمعايير التنظيم الذاتي للصحافة ولا يوفر الإطار الملائم لحماية أخلاقيات المهنة.

ويطرح هذا التحول في الموقف تساؤلات بشأن حصيلة الفترة التي تولى فيها مجاهد رئاسة المجلس، خصوصا أن حماية أخلاقيات المهنة كانت من أبرز المبررات التي تأسس عليها المجلس.

وخلال ولايته، تعرض المجلس لانتقادات من مهنيين وفاعلين في مجال حرية الصحافة بسبب تعامله مع عدد من الملفات المرتبطة بأخلاقيات المهنة، في وقت برزت فيه بشكل متزايد ممارسات صحافية اتهمت بالتشهير وانتهاك الحياة الخاصة والتوظيف السياسي والإعلامي للمنابر، بينما وصل بعض أصحاب هذه الممارسات إلى مواقع داخل المؤسسات والهيئات المهنية المرتبطة بالمجلس.

وتثير هذه الحصيلة مفارقة واضحة في موقف مجاهد الحالي: فهو ينتقد اليوم تراجع وظيفة الأخلاقيات داخل المجلس ويعتبرها ضحية للخلط بين التنظيم والولوج إلى المهنة، في حين أن هذه الوظيفة كانت قائمة قانونيا ومؤسساتيا خلال السنوات الثماني التي ترأس فيها المجلس، لكنها لم تمنع، بحسب منتقديه، تفاقم عدد من الممارسات التي أضرت بصورة الصحافة المغربية.

مراجعة متأخرة.. أم معارضة متأخرة!

وتؤكد دراسة مجاهد، في المقابل، أن الإشكال لا يرتبط فقط بأداء الأشخاص، وإنما ببنية المجلس نفسها، إذ يرى أن طريقة تشكيله، التي تجمع بين أعضاء منتخبين من المهنيين وآخرين تنتدبهم هيئات مختلفة، لا تنسجم مع منطق التنظيم الذاتي المعتمد في عدد من التجارب الدولية.

ويقترح مجاهد الاستناد إلى منهج مقارن لدراسة تجارب مجالس الصحافة وهيئات أخلاقيات المهنة في دول أخرى، بهدف إعادة بناء النموذج المغربي على أساس يضمن استقلالية التنظيم الذاتي ويعيد الأخلاقيات إلى صدارة وظائف المجلس.

ويخلص الرئيس السابق للمجلس إلى أن إعادة تنظيم مهنة الصحافة في المغرب لا ينبغي أن تقتصر على إعادة توزيع الاختصاصات أو تغيير طريقة تعيين الأعضاء، وإنما تستوجب، في نظره، إعادة النظر في فلسفة المجلس نفسه، بما يفصل بوضوح بين ضبط الولوج إلى المهنة وبين حماية أخلاقياتها.

ويضع هذا الموقف الجديد مجاهد أمام مراجعة لافتة لموقف سبق أن دافع عنه من موقع المسؤولية، إذ أصبح القانون الذي كان يعتبر منتقدوه بشأنه أصحاب «مزايدات» موضوعا لدراسة تنتقد أسسه وتدعو إلى تغييره جذريا، بعد انتقال صاحبه من موقع المدافع عن المشروع إلى موقع المعارض له.