أثر نيوز - هيئة التحرير

​تتسع هوة التناقضات يوماً بعد يوم بين التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تحرير طاقات الاستثمار ودعم الكفاءات، وبين جدار البيروقراطية الصلب الذي يصطدم به المستثمرون الشباب مع مؤسسة بحجم البنك الشعبي. ففي الوقت الذي لا يفتأ فيه الملك محمد السادس يشدد في خطبه السامية — لا سيما خطاب العرش وخطب افتتاح البرلمان — على ضرورة جعل القطاع البنكي رافعة استراتيجية للتنمية، وتسهيل الولوج إلى التسهيلات التمويلية لإنعاش النسيج المقاولاتي، ترسم الممارسات الميدانية لفرع البنك الشعبي بمدينة آسفي صورة قاتمة تعاكس تماماً هذا الخيار الوطني الاستراتيجي.

رغمَ أن المعطيات الواردة لا تعكس قصة حالات فردية فقط، بل إن ما يرويه أصحاب مشروعين استثماريين بمدينة آسفي عن مسار طلباتهما لتمويل «انطلاقة» لدى إدارة البنك الشعبي تكشف "حجم زيف الشعارات وسياسة الإحباط" أمام أسئلة ثقيلة بشأن طريقة معالجة ملفات المقاولين الشباب، وحدود التزامها الفعلي بمواكبة الاستثمار والادعاءات والاشهارات التي تسوقها الإدارة. فبحسب المعطيات المقدمة بشأن الحالتين، انتهت شهور من الانتظار إلى إبلاغ أصحاب المشروعين هاتفيًا برفض التمويل، بعدما كانوا قد ضخّوا أموالهم الخاصة في بناء مشروعيهما وتجهيزهما، وراهنوا على البرنامج لاستكمال مسارهما الاستثماري.

وتكمن خطورة هذه الرواية في المسافة التي تكشفها بين الوعد بالمواكبة وتجربة المقاول داخل المؤسسة البنكية: شباب يتحملون مخاطرة الاستثمار، ويعبئون مواردهم ويضعون كفاءاتهم في خدمة مشاريع إنتاجية، ثم يجدون أنفسهم، وفق إفادتهم، أمام انتظار طويل ينتهي برفض شفهي، من دون تعليل مكتوب يتيح لهم فهم القرار أو معالجة أسباب التعثر.

بهذا المعنى، تطرح الواقعتان سؤالًا يتجاوز نتيجة طلبَي قرض: كيف يُدار برنامج أُحدث لتيسير تمويل المبادرات الشابة، عندما يصبح مسار الحصول على جواب جزءًا من الصعوبات التي تهدد تلك المبادرات؟

المشروع الأول، بحسب المعطيات المعروضة، تقوده أطر وطنية متخصصة في التكنولوجيا المتقدمة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والصيانة الوقائية المرتبطة بقطاعات الطاقة والصناعة. وهي مجالات تتطلب معرفة تقنية، وتفتح إمكانات لتطوير خدمات ذات قيمة مضافة، بما يجعل تقييم مشروع من هذا النوع محتاجًا إلى فهم نموذجه الاقتصادي وطبيعة السوق التي يستهدفها، إلى جانب قراءة معطياته المالية.

أما المشروع الثاني، فيحمله ثلاثة شباب وجّهوا أموالهم الخاصة إلى إنشاء وتجهيز ورشة حديثة للصيانة الميكانيكية المتقدمة، تستهدف أساطيل النقل والشركات الكبرى. ووفق روايتهم، فقد تحمّلوا جانبًا مهمًا من كلفة تأسيس المشروع قبل طلب المساندة البنكية، وأصبح لديهم تجهيز وأصول فعلية يريدون توظيفها في نشاط اقتصادي قابل للتطور.

ويؤكد أصحاب المشروعين أنهم تقدموا بملفين متكاملين يستوفيان شروط الاستفادة، وأن ما وضعوه من أموال وأصول في المشروعين كان يفترض أن يؤخذ بجدية عند الدراسة. وهذا التأكيد يضع أمام البنك سؤالًا محددًا: أين وقع الخلل، بحسب تقييمه؟ هل يتعلق الأمر بأهلية الاستفادة من البرنامج، أم بجدوى المشروعين، أم بالقدرة على السداد، أم بعناصر أخرى لم تُشرح لأصحابهما بالوضوح المطلوب؟

فوجود استثمار ذاتي وتجهيزات قائمة يستحق وزنًا واضحًا في التقييم، مع بقاء القرار الائتماني مرتبطًا بمجموع عناصر الملف. والمساءلة هنا تتعلق بجودة الدراسة وشفافية المسار والقدرة على تفسير القرار، وبمدى حصول المقاولين على مواكبة تساعدهم على فهم ما ينقص مشاريعهما.

وتكتسب هذه الأسئلة حدتها من المرجعية التي انبثق عنها «انطلاقة». ففي خطاب افتتاح البرلمان يوم 11 أكتوبر 2019، دعا الملك محمد السادس القطاع البنكي إلى تعزيز انخراطه في التنمية وتيسير تمويل المقاولين الشباب، مطالبًا الأبناك بـ«تبسيط وتسهيل عملية الولوج للقروض»، وموجهًا إلى إعداد برنامج لدعم الخريجين الشباب وتمويل المشاريع الصغرى للتشغيل الذاتي. كما انتقد الانطباع الذي تتركه بعض الممارسات البنكية لدى فئات تجد صعوبة في الوصول إلى التمويل.

ومن ثم، فإن قياس الوفاء بهذه التوجيهات يمر عبر تجربة حامل المشروع نفسها: المعلومة التي يحصل عليها، والمدة التي ينتظرها، وطريقة دراسة طلبه، والجواب الذي يتلقاه. هناك، عند معالجة الملف، تتحدد القيمة العملية لوعود دعم المبادرة الخاصة.

والبنك الشعبي يعلن، في عرضه الرسمي «الشعبي انطلاق»، مشاركته في البرنامج استجابة للتوجيهات الملكية، ويقدم تمويلًا يغطي احتياجات الاستثمار والتشغيل بشروط تفضيلية للمقاولات المؤهلة، بسقف تمويل يبلغ 1.2 مليون درهم. وبذلك، فإن مساءلته عن تجربة أصحاب المشروعين تستند أيضًا إلى الخدمة التي يعلن توفيرها، وإلى موقعه بوصفه مخاطبًا لحاملي المشاريع الباحثين عن التمويل. Chaabi Intelak

كما توضح البطاقة الرسمية لـ«ضمان انطلاق»، الصادرة عن «تمويلكم»، أن الآلية تغطي قروض الاستثمار والاستغلال للمقاولات المؤهلة، وأن نسبة الضمان تبلغ في الحالة العامة 80 في المائة من أصل القرض، مع تقديم الطلب عبر المؤسسة المالية الشريكة. وهو ضمان يخفف جانبًا مهمًا من مخاطر الإقراض، مع استمرار ضرورة دراسة المشروع وقدرته على الوفاء بالتزاماته. 

وجود هذه الآلية يجعل السؤال عن كيفية تقييم المخاطر أكثر إلحاحًا. فما العناصر التي رجّحت رفض الملفين، رغم ما يؤكد أصحابهما تقديمه من تمويل ذاتي وأصول قائمة؟ وهل شُرحت لهم تلك العناصر خلال الدراسة، بما يسمح بتصحيحها، أم أنهم ظلوا ينتظرون إلى أن أُبلغوا بالنتيجة النهائية؟

وبحسب رواية أصحاب المشروعين، جاء الرفض عبر مكالمات هاتفية بعد شهور من الانتظار. وهذه النقطة تستحق تدقيقًا مستقلًا، لأن الزمن في حياة المقاولة الناشئة مورد حاسم. فتأخر الحسم قد يربك ترتيبات الانطلاق، ويضغط على السيولة، ويؤجل استغلال التجهيزات، ويضعف قدرة صاحب المشروع على البحث مبكرًا عن بدائل.

والمقاول الذي يعرف أسباب رفض طلبه يستطيع إعادة بناء خطته، أو مراجعة حجم الاستثمار، أو البحث عن شريك وتمويل آخر. أما بقاء الملف مدة طويلة من دون رؤية واضحة، فيستنزف قدرته على اتخاذ القرار. وحين ينتهي ذلك برفض لا يصاحبه تفسير مكتوب، تتضاعف صعوبة معرفة ما ينبغي تغييره.

هنا تتحدد مسؤولية الإدارة البنكية عن المسار الذي تسلكه الملفات داخلها. فالتدبير المهني يقتضي إخبار صاحب الطلب بما ينقصه، وتوضيح المرحلة التي بلغها، وتقديم جواب يمكن فهمه ومناقشة أسبابه. وتزداد أهمية ذلك داخل برنامج يقوم أصلًا على تشجيع فئات تحتاج إلى التمويل والمواكبة لبناء تجربتها المقاولاتية.

وتضع الحالتان إدارة البنك الشعبي بآسفي أمام أسئلة عملية: متى أُودع كل ملف؟ ومتى اعتُبر مكتملًا؟ وما الملاحظات التي وُجهت إلى أصحابه أثناء الدراسة؟ وعلى أي مستوى اتُّخذ قرار الرفض؟ وما الأسباب التي بُني عليها؟ ولماذا يقول المعنيون إنهم لم يتوصلوا بتعليل مكتوب رغم طول الانتظار؟

وتحتاج هذه الأسئلة إلى أجوبة عن الملفين نفسيهما، تُقدَّم إلى أصحابهما بوضوح. فالإحالة العامة إلى شروط التمويل أو دراسة المخاطر لا تفسر وحدها ما جرى في طلب محدد، ولا تجيب عن سبب استغراق معالجته شهورًا، كما يروي المعنيون.

كما يبرز سؤال المواكبة: إذا كانت الدراسة قد أظهرت اختلالًا في التوقعات المالية، أو حجم التمويل المطلوب، أو بنية المشروع، فما الذي قُدم لحامليه لتصحيح ذلك؟ وهل نوقشت معهم صيغة تمويل ملائمة، أو استكمال معطيات بعينها، أو إعادة تقديم الطلب بعد معالجة أسباب الرفض؟

وتستحق هذه النقطة اهتمامًا خاصًا في المشاريع التقنية والصناعية، حيث تحتاج قراءة المخاطر إلى استيعاب طبيعة الخدمة والتجهيزات ودورة النشاط والسوق المستهدفة. وأي قصور في فهم هذه العناصر قد يفضي إلى تقييم لا يمنح المشروع فرصته الكاملة في الدراسة؛ وهو احتمال يستحق الفحص عند مراجعة الملفين، من دون استباق نتائج تلك المراجعة.

وتتجاوز أهمية القضية العلاقة بين مؤسسة مالية ومقاولين اثنين. ففي آسفي، يمثل نجاح مبادرات تستثمر في الخدمات التقنية والصيانة الصناعية فرصة لتوسيع النشاط الاقتصادي المحلي وفتح منافذ أمام الكفاءات. ومن شأن تعثر الوصول إلى التمويل أن يضعف هذه الفرص، خصوصًا عندما يكون أصحابها قد التزموا بأموالهم وتجهيزاتهم قبل طلب المساندة.

لذلك، فإن مراجعة مسار الملفين، من الإيداع إلى القرار النهائي، تبدو مدخلًا ضروريًا لتحديد المسؤوليات وفهم ما جرى. وينبغي أن تكشف هذه المراجعة الملاحظات المسجلة، وآجال المعالجة، وكيفية التواصل مع أصحاب الطلبين، ومدى تطابق الممارسة مع ما تعلنه المؤسسة بشأن مواكبة حاملي المشاريع.

أما معرفة ما إذا كانت الحالتان تعكسان مشكلة أوسع، فتحتاج إلى معطيات قابلة للفحص: عدد طلبات «انطلاقة» المقدمة محليًا، ونسب القبول والرفض، ومتوسط مدة المعالجة، وأبرز أسباب الرفض، وكيفية التعامل مع التظلمات. نشر حصيلة إجمالية واضحة من شأنه أن يتيح تقييم أداء البرنامج، ويمنع اختزال النقاش في روايات متقابلة.

ولا تتضمن المعطيات المتاحة بشأن هذين الملفين ردًا من البنك يشرح مسار معالجتهما وأسباب القرار. لذلك تبقى إدارته مطالبة بتقديم توضيحات دقيقة لأصحابهما، بما يسمح بفحص اعتراضاتهم وتحديد ما إذا كان الخلل في المشروعين، أو في معالجة طلبيهما، أو في جوانب من الطرفين.

إن الثقة التي يحتاجها الاستثمار تُبنى أيضًا على وضوح القرار وسرعة التواصل واحترام الجهد الذي يضعه المقاول في مشروعه. والمستثمر الذي خاطر بماله وكفاءته يستحق دراسة جادة وجوابًا مفهومًا، يستطيع على أساسه أن يواصل أو يصحح أو يبحث عن طريق آخر.

وعلى البنك الشعبي بآسفي أن يجيب عن السؤال الذي تضعه هاتان الروايتان أمامه: كيف تحولت رحلة البحث عن مواكبة «انطلاقة»، لدى أصحاب المشروعين، إلى شهور من الانتظار انتهت بمكالمة رفض؟ الجواب عن هذا السؤال هو الاختبار الفعلي لمدى اقتراب الممارسة البنكية من الوعد الذي يحمله البرنامج، ومن التوجيهات الملكية التي أُنشئ لتنفيذها.