موقع لكم- بتصرف
لم يكن خالد حاتيمي، وزير الفلاحة الجديد في الحكومة الجديدة، اسماً معروفاً على نطاق واسع في المشهد السياسي المغربي قبل خمس سنوات. فقد جاء إلى السياسة من عالم المال والأعمال، بعدما أمضى سنوات طويلة في إدارة شركات كبرى، أبرزها مجموعة “ديانا هولدينغ” التابعة لعائلة زنيبر، إحدى أبرز العائلات الاقتصادية ، التي تمتد استثماراتها من الفلاحة والصناعات الغذائية إلى المشروبات الغازية وإنتاج النبيذ والمشروبات الكحولية.
وكان عبد اللطيف وهبي، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، وراء استقطابه إلى العمل السياسي، قبل أن ينتقل من إدارة الشركات إلى البرلمان، ثم إلى قيادة الحزب، ومنها إلى هيئة وطنية لضبط قطاع الكهرباء، وصولاً إلى وزارة الفلاحة، في مسار سياسي ومؤسساتي سريع يطرح أسئلة حول العلاقة بين الخبرة الاقتصادية وشبكات النفوذ الحزبي.
ابن تارودانت الذي جاء من عالم الشركات
ينحدر خالد حاتيمي من مدينة تارودانت، حيث تابع دراسته الأولى قبل استكمال تكوينه في إدارة الأعمال، بما في ذلك دراسة متقدمة في الإدارة والاستراتيجية بجامعة إيموري الأمريكية في أتلانتا، وفق السير المهنية المنشورة عنه.
وتصفه بعض المصادر المحلية باسم “خالد الحاتمي البنوني”، بينما يرد اسمه في وثائق اقتصادية بصيغة “خالد حاتيمي”، ولم تتوفر معلومات موثقة عن تاريخ ميلاده لكنه ينتمي إلى اسرة معروفة في مدينة تارودانت التي نشأ ودرس فيها.
وبخلاف عدد من المسؤولين الذين تدرجوا في الوظيفة العمومية أو الأجهزة الحزبية، بنى حاتيمي مساره المهني في القطاع الخاص، حيث اكتسب خبرة في تسيير الشركات والصناعات الغذائية، قبل أن يصل إلى الإدارة العليا لمجموعة “ديانا هولدينغ”، التي أسسها رجل الأعمال الراحل إبراهيم زنيبر.
وتعد المجموعة إحدى الإمبراطوريات الاقتصادية العائلية بالمغرب، وتشمل أنشطتها الفلاحة وزراعة الكروم وإنتاج النبيذ والمشروبات الروحية، من خلال شركات أبرزها “سيليي دو مكناس”، فضلاً عن الصناعات الغذائية والمشروبات الغازية.
لكن المسؤولية المهنية المباشرة الأكثر وضوحاً في مسار حاتيمي كانت إدارة شركة “أطلس بوتلينغ كومباني”، المتخصصة في تعبئة وتوزيع المشروبات الغازية، وليس إدارة مصانع إنتاج الخمور، وفق الوثائق المتاحة.
وفي أبريل 2013، أعلنت المجموعة تعيينه عضواً في مجلس إدارتها التنفيذية، إلى جانب مسؤوليته مديراً عاماً لشركة “أطلس بوتلينغ”، وهو منصب وضعه ضمن دائرة المسؤولين الكبار في المجموعة الأم، وليس مجرد مدير لإحدى وحداتها الصناعية.
مساهم في شركة بيعت ضمن صفقة بمليارات الدراهم
وقدرت الصحافة الاقتصادية قيمة الصفقة بنحو 1.7 مليار درهم، في إطار إعادة هيكلة أنشطة مجموعة زنيبر والتخارج من قطاع تعبئة المشروبات الغازية.
وتشير وثيقة أخرى لمجلس المنافسة إلى أن “ديانا هولدينغ” كانت تملك 99% من رأسمال الشركة، ما يعني أن حصة المساهمين الآخرين مجتمعين كانت محدودة. ولا تحدد الوثائق المنشورة نسبة مساهمة حاتيمي الفردية أو المبلغ الذي حصل عليه مقابل أسهمه.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة لأنها تثبت أن وزير الفلاحة الجديد لم يكن مجرد مدير تنفيذي داخل المجموعة، بل امتلك أيضاً مصلحة مالية مباشرة في إحدى شركاتها.
غير أن الوثائق لا تكشف تاريخ حصوله على الأسهم، أو ما إذا كان قد احتفظ بمساهمات أخرى في شركات مرتبطة بالمجموعة بعد بيع “أطلس بوتلينغ”.
مجموعة زنيبر في قلب نزاع قضائي حول الإرث والتدبير
يأتي الكشف عن العلاقات الاقتصادية السابقة للوزير الجديد في وقت تواجه فيه ريتا ماريا زنيبر، رئيسة مجموعة “ديانا هولدينغ” وأرملة مؤسسها إبراهيم زنيبر، نزاعاً قضائياً مع بعض ورثة زوجها الراحل.
ووفق تحقيق نشرته مجلة “جون أفريك” في أكتوبر 2026، مُنعت ريتا زنيبر من مغادرة المغرب في نهاية سبتمبر، في سياق شكاية تتعلق بشبهات تزوير وثائق اعتراف بدين منسوبة إلى زوجها الراحل، بقيمة إجمالية تبلغ 14.4 مليون درهم.
وتنفي زنيبر الاتهامات الموجهة إليها، وقد تقدمت بدورها بشكاية مضادة ضد أحد أبناء زوجها، في نزاع لا يزال معروضاً على القضاء.
لكن الخلافات العائلية لا تقتصر، وفق ما نشرته صحيفة “لوكانار ليبيري”، على وثائق التركة، بل تشمل أيضاً انتقادات من بعض الورثة لطريقة تدبير أصول المجموعة وعمليات بيع بعض شركاتها.
ومن بين العمليات التي تناولتها الصحيفة صفقة بيع “أطلس بوتلينغ” سنة 2022، إلى جانب عمليات مالية أخرى شملت استثمارات المجموعة وانسحاب شركة “فيبار هولدينغ”، التابعة لصندوق الإيداع والتدبير، من رأسمال “دومين زنيبر”.
ولم يتسن العثور على وثيقة قضائية تثبت أن خالد حاتيمي طرف في الشكايات القضائية، كما لا توجد أدلة منشورة تربطه بالاتهامات المتعلقة بتدبير التركة.
ومع ذلك، فإن موقعه السابق في الإدارة العليا للمجموعة، وملكيته الشخصية لأسهم في الشركة المبيعة، يجعلان من المشروع التساؤل عن طبيعة دوره في القرارات الاقتصادية الكبرى التي شهدتها المجموعة، وحدود مشاركته في عملية البيع، وما إذا كان يحتفظ بمصالح اقتصادية في قطاعات تدخل اليوم ضمن اختصاص وزارته.
وهبي.. الرجل الذي أقنعه بدخول السياسة
إذا كان عالم الشركات قد صنع المسار المهني لخالد حاتيمي، فإن عبد اللطيف وهبي كان وراء انتقاله الموثق إلى السياسة.
وتكشف مادة صحفية محلية منشورة في 16 يونيو 2021 أن وهبي، الذي كان يتولى آنذاك الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، قدم حاتيمي أمام مناضلي الحزب في تارودانت، معلناً أنه نجح في استقطابه بعد ستة أشهر من النقاش.
وقال وهبي، وفق ذلك التقرير الصحفي، وهو يقدم صديقة رجل الأعمال إلى الحاضرين “هذه الكفاءة هي من أبناء تارودانت، أقدمه لكم اليوم، وهو أحسن ما أقدمه لكم”.
ويعني ذلك أن الاتصالات التي سبقت التحاق حاتيمي بالعمل السياسي بدأت على الأرجح في أواخر سنة 2020، قبل أشهر من الانتخابات التشريعية التي جرت في سبتمبر 2021.
ولم يكن اختيار تارودانت مصادفة، فالمدينة تمثل أحد معاقل النفوذ السياسي لعبد اللطيف وهبي، الذي ترشح عن دائرتها الشمالية، بينما تقدم حاتيمي، وهو أيضا ابن نفس المدينة، باسم الحزب نفسه في الدائرة الجنوبية.
وفي 16 غشت 2021، أعلن الحزب رسمياً إيداع ترشيح الرجلين في اليوم نفسه، قبل أن يفوزا بمقعدين في مجلس النواب.
وبذلك انتقل حاتيمي من إدارة الشركات إلى المؤسسة التشريعية، مدعوماً بتزكية حزب كان يقوده أحد أبرز أبناء منطقته.
غير أن المعلومات المتاحة لا تسمح بتحديد طبيعة العلاقة الشخصية بين الرجلين قبل سنة 2020، أو ما إذا كانت بينهما صداقة قديمة أو روابط عائلية أو مصالح تجارية.
من البرلمان إلى هيئة ضبط الكهرباء ثم وزارة الفلاحة
لم يستغرق صعود حاتيمي داخل حزب الأصالة والمعاصرة وقتاً طويلاً.
فبعد انتخابه نائباً برلمانياً سنة 2021، انضم إلى لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، قبل أن يصبح عضواً في المكتب السياسي للحزب في ماي 2024.
وفي يوليوز 2026، غادر مجلس النواب بعد التحاقه بالهيئة الوطنية لضبط الكهرباء، في انتقال من العمل التشريعي إلى مؤسسة تنظيمية مستقلة.
لكن مقامه في الهيئة لم يدم سوى نحو ثلاثة أشهر، إذ عُين في 16 أكتوبر 2026 وزيراً للفلاحة في الحكومة التي يقودها حزب الأصالة والمعاصرة.
وبهذا التعيين، انتقلت حقيبة الفلاحة من نفوذ حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي احتفظ بها نحو 19 سنة، إلى حزب الأصالة والمعاصرة.
ويتولى حاتيمي قطاعاً استراتيجياً يرتبط بالأمن الغذائي وتدبير المياه الزراعية والدعم العمومي للفلاحين والاستثمار في الصناعات الغذائية، في بلد يواجه ضغوطاً متزايدة بسبب الجفاف والتغيرات المناخية والفوارق بين الفلاحة التصديرية وصغار المنتجين.
وتمنحه خبرته السابقة في إدارة الشركات معرفة بعالم الاستثمار الخاص، لكنها تطرح أيضاً أسئلة بشأن قدرته على الانتقال من منطق الربحية الاقتصادية إلى تدبير السياسات العمومية ومراعاة مصالح الفئات الفلاحية المختلفة.
وزير بخلفية اقتصادية وأسئلة مفتوحة
في غضون خمس سنوات، انتقل خالد حاتيمي من عالم الشركات إلى قمة المسؤولية الحكومية، غير أن مساره يختلف عن المسارات التقليدية لكثير من الوزراء المغاربة. فهو لم يأت من الإدارة الفلاحية العمومية أو من تدرج طويل في المؤسسات الحكومية، وإنما من إدارة مجموعة اقتصادية عائلية كبرى، تنشط في قطاعات يتقاطع بعضها مع اختصاصات الوزارة التي أصبح يشرف عليها.
وبين مسار رجل الأعمال الذي خبر إدارة الشركات الكبرى ومسؤوليات الوزير المكلف بقطاع حيوي، سيجد حاتيمي نفسه أمام اختبار مختلف؛ الانتقال من خدمة مصالح مؤسسة اقتصادية خاصة إلى تدبير قطاع تتداخل فيه مصالح المستثمرين الكبار مع انتظارات ملايين الفلاحين والمستهلكين.
أما السؤال الذي سيظل ملازماً لمساره، فهو ما إذا كانت الخبرة التي راكمها داخل إمبراطورية زنيبر وشبكة العلاقات التي فتحت له أبواب السياسة ستشكل رصيداً يساعده على إدارة القطاع، أم ستضعه أمام اختبار الاستقلال عن المصالح الاقتصادية والحزبية التي طبعت صعوده.
