بعد خمس سنوات من مشاركته في الحكومة، عاد حزب الأصالة والمعاصرة إلى الناخبين ببرنامج انتخابي جديد أكثر تفصيلا من برنامج 2021، يحمل هذه المرة خمسة “مواثيق” و20 التزاما، بكلفة إضافية يقدرها الحزب بنحو 350 مليار درهم خلال الفترة 2027-2031. غير أن مقارنة البرنامجين تطرح سؤالا مركزيا: ماذا تحقق من الوعود التي قدمها الحزب قبل خمس سنوات، وما الذي يجعل وعود 2026 أكثر قابلية للتحقق؟
في انتخابات 8 شتنبر 2021، قدم “البام” برنامجه تحت عنوان “التزاماتنا من أجل التقدم”، متعهدا بتحقيق متوسط نمو اقتصادي في حدود 6% ابتداء من 2024، وإحداث نحو 882 ألفا و500 منصب شغل بين 2022 و2026، وخفض البطالة إلى 8.3% في نهاية الولاية. كما وعد بمدرسة عمومية قوية، وخدمات صحية جيدة، وسكن لائق، وتحسين إدماج الشباب، وتعزيز الاستقلال الطاقي وتطوير الحكامة.
لكن الحزب لم يقد الحكومة التي تشكلت بعد انتخابات 2021، وإنما شارك فيها إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، ما يجعل من الصعب تحميله منفردا حصيلة الولاية. وفي المقابل، فإن مشاركته في الأغلبية والحكومة تجعله شريكا سياسيا في تنفيذ البرنامج الحكومي الذي تعهد، بدوره، بإحداث مليون منصب شغل صاف وتعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح التعليم ورفع نشاط النساء.
أهداف 2021 بقيت بعيدة
تكشف الأرقام الرسمية أن اثنين من أبرز المؤشرات الكمية التي وضعها برنامج “البام” لعام 2021، وهما النمو والبطالة، لم يبلغا المستويات المستهدفة.
فالحزب كان يتوقع وصول النمو إلى 6% ابتداء من 2024، ثم 6.1% في 2025 و6.3% في 2026. لكن معطيات المندوبية السامية للتخطيط تظهر أن الاقتصاد سجل نموا قدره 4.4% في 2024 و4.9% في 2025، أي أقل من المسار الذي افترضه البرنامج، وإن كان النمو قد تحسن في نهاية الولاية.
وتبدو الفجوة أكبر في التشغيل. فالبرنامج الأصلي توقع إحداث 882 ألفا و500 منصب صاف وخفض البطالة إلى 8.3%. وفي 2025 وحدها، أحدث الاقتصاد 193 ألف منصب، بعد 82 ألفا في 2024، لكن معدل البطالة وفق المنهجية القديمة بلغ 13% في 2025، ووصل إلى 37.2% لدى الشباب بين 15 و24 سنة و20.5% لدى النساء.
ويقر برنامج “البام” نفسه لعام 2026 بأن الرصيد الصافي لمناصب الشغل بين 2022 و2025 لم يتجاوز 94 ألف منصب، معتبرا أن ذلك يمثل أقل من 10% من تعهد المليون وظيفة الذي تضمنه البرنامج الحكومي السابق.
ومع اعتماد المندوبية السامية للتخطيط منهجية جديدة لقياس سوق العمل في 2026، بلغ معدل “البطالة الصارمة” 10.8% في الربع الأول من السنة، وهو الرقم الذي اتخذه “البام” نفسه نقطة انطلاق لوعده الجديد بخفض البطالة إلى 7% عام 2031. وتحذر المندوبية من المقارنة المباشرة بين أرقام المنهجية الجديدة والبيانات السابقة بسبب التغييرات المفاهيمية والإحصائية.
وعود تحققت جزئيا أو تغيرت صيغتها
في المقابل، شهدت الولاية تنفيذ إصلاحات اجتماعية كبرى تتقاطع مع بعض ما ورد في برنامج الحزب لعام 2021، وفي مقدمتها توسيع الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر وبرنامج الدعم المباشر للسكن. غير أن نسبة الإنجاز في هذه المجالات لا يمكن نسبتها إلى “البام” وحده، لأنها نُفذت في إطار البرنامج الحكومي المشترك، وبعضها امتداد لأوراش ملكية أُطلقت قبل تشكيل الحكومة.
وتبرز هنا مفارقة بين برنامجي الحزب: ففي 2021 كانت تعهدات الصحة والتعليم والسكن في جزء كبير منها ذات صياغة عامة، مثل “مدرسة عمومية قوية” و”خدمات صحية ذات جودة” و”ولوج الجميع إلى سكن لائق”، بينما أصبحت هذه المجالات في برنامج 2026 مرتبطة بأرقام ومواعيد أكثر تحديدا.
مليون وظيفة من جديد.. لكن بأرقام أكثر تفصيلا
في برنامج 2026، الذي يرفعه الحزب تحت شعار “من أجل تغيير المسار”، يتراجع هدف النمو من 6% في البرنامج السابق إلى متوسط 5% سنويا خلال 2027-2031، بينما يرتفع هدف التشغيل إلى مليون منصب شغل صاف على الأقل، بمعدل 200 ألف منصب سنويا، مع خفض البطالة من 10.8% إلى 7% عام 2031.
ويوزع الحزب هذه المرة مليون وظيفة على قطاعات محددة: 360 ألفا مرتبطة بكأس العالم 2030 والأنشطة المواكبة، و270 ألفا في الخدمات المرحلة ذات القيمة المضافة واقتصاد المعرفة، و250 ألفا في الصناعة وتعويض الواردات، و80 ألفا في الفلاحة والعالم القروي، و40 ألفا في اقتصاد الرياضة.
ويضيف البرنامج التزامات لم تكن بهذه الدقة في 2021، منها إعادة أسعار المواد الأساسية إلى ما يسميه الحزب “مستواها الطبيعي”، وإجراءات ضريبية على الأجور، ومجانية فاتورة الكهرباء التي تقل عن 100 درهم شهريا، ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، ورفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر تدريجيا إلى 1000 درهم. Pam
وفي الشباب، يقترح برنامجا لإدماج 300 ألف شاب سنويا عند بلوغ البرنامج سرعته القصوى، وبرنامج “أول عقد شغل” لفائدة 500 ألف شاب خلال الولاية، ومواكبة 60 ألف مقاولة شبابية.
أما في الصحة، فيتعهد بتغطية صحية بنسبة 100% وبناء أربعة مستشفيات جامعية جديدة وتحسين شبكة المراكز والمستشفيات، بينما يعد في السكن بتمكين 500 ألف أسرة من حلول للسكن، إلى جانب إجراءات خاصة بسكن الشباب.
ويوسع برنامج 2026 نطاق وعوده إلى قضايا الأمن المائي والغذائي والطاقي والرقمنة والذكاء الاصطناعي، ويقدر الحزب الكلفة الإضافية الإجمالية لتنفيذ البرنامج بنحو 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، أي قرابة 70 مليار درهم سنويا، موزعة أساسا على القدرة الشرائية وإدماج الشباب والمواطنة والأمن الاستراتيجي.
من شريك في الحكومة إلى قيادة الحكومة
غير أن الاختلاف السياسي الأهم بين التجربتين لا يوجد في الأرقام وحدها. ففي 2021 دخل “البام” الحكومة باعتباره شريكا في ائتلاف يقوده التجمع الوطني للأحرار، ما أتاح له طوال الولاية التمييز بين برنامجه الانتخابي الخاص والبرنامج الحكومي المشترك.
أما بعد تصدره انتخابات 23 شتنبر 2026 بـ97 مقعدا وتعيين منسقة قيادته الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة مكلفة بتشكيلها، فإن هامش الفصل بين وعود الحزب ومسؤولية الحكومة المقبلة سيصبح أضيق إذا انتقلت الالتزامات الأساسية للبرنامج الانتخابي إلى البرنامج الحكومي.
وهذه النقطة تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى أن قيادة الحزب نفسها قدمت برنامج 2026 بوصفه “عقدا لخمس سنوات” يتضمن، بحسب المنصوري، أرقاما واضحة تسمح للمواطنين بمحاسبة الحزب على تنفيذها، وليس مجرد مجموعة وعود انتخابية.
هل تكون وعود 2031 أكثر قابلية للتحقق؟
لا يمكن الجزم مسبقا بقدرة الحزب على الوفاء بوعوده بحلول 2031، لكن البرنامج الجديد يتيح اختبارا أكثر وضوحا من سابقه، لأنه يضع أهدافا كمية يمكن تتبعها سنة بعد أخرى: مليون وظيفة، بطالة عند 7%، نمو متوسط عند 5%، 500 ألف أسرة مستفيدة من حلول السكن، إلى جانب أهداف محددة في الصحة والشباب والطاقة والماء والرقمنة.
وفي المقابل، تكشف تجربة 2021-2026 أن وضع أهداف رقمية لا يضمن بلوغها. فقد انتهت الولاية بمعدل نمو أدنى من المسار الذي افترضه برنامج 2021، فيما بقيت البطالة أعلى بوضوح من هدف 8.3%، ولم يتحقق هدف التشغيل كما كان متوقعا، بحسب الأرقام التي أوردها “البام” نفسه في برنامجه الجديد.
وبذلك، قد لا يكون الاختبار الحقيقي لبرنامج 2026 في حجم الوعود بقدر ما سيكون في تحويلها إلى البرنامج الحكومي، وتحديد مصادر تمويل الـ350 مليار درهم، ووضع مؤشرات سنوية معلنة تسمح بقياس التقدم نحو أهداف 2031. وعندها سيكون ممكنا، خلافا لجزء كبير من وعود 2021 ذات الصياغة العامة، قياس المسافة بدقة أكبر بين ما وعد به الحزب في الحملة وما أنجزته الحكومة التي يقودها في نهاية ولايتها.
