أعاد التصريح الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة المغربية فاطمة الزهراء المنصوري، الاثنين، طرح عدد من الأولويات الاقتصادية والاجتماعية التي تضمنها برنامج حكومة عزيز أخنوش سنة 2021، لكن مع اختلاف في صياغة الالتزامات، خصوصا ما يتعلق بتحديد أهداف رقمية وآجال واضحة تسمح بتقييم حصيلة الحكومة عند نهاية ولايتها.
وتكتسب المقارنة بين التصريحين أهمية سياسية خاصة، بالنظر إلى أن المنصوري نفسها كانت عضوا في حكومة أخنوش، بصفتها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، كما شارك حزب الاستقلال في الائتلاف الحكومي السابق، قبل أن يصبح شريكا في الأغلبية الجديدة التي تقودها المنصوري.
ويعني ذلك أن جزءا من القوى السياسية التي تتعهد اليوم بمعالجة اختلالات اقتصادية واجتماعية سبق أن شارك في تدبير السياسات العمومية خلال السنوات الخمس الماضية، وتحمل المسؤولية السياسية عن تنفيذ البرنامج الحكومي السابق وما تحقق منه وما تعثر.
وكان أخنوش قد التزم في تصريحه الحكومي، الذي قدمه أمام البرلمان في أكتوبر 2021، بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال خمس سنوات، وتحقيق معدل نمو اقتصادي في حدود 4 في المائة، ورفع معدل نشاط النساء إلى أكثر من 30 في المائة، إلى جانب تعميم الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية.
في المقابل، حددت المنصوري في تصريحها الجديد هدفا للنمو الاقتصادي بنسبة 5 في المائة، وخفض عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وتقليص المديونية إلى نحو 62 في المائة بحلول سنة 2031، لكنها لم تطرح، في المعطيات المعلنة، هدفا إجماليا محددا لإحداث مناصب الشغل يماثل التعهد الذي قدمه سلفها.
ويبرز هذا الاختلاف في ملف التشغيل، الذي شكل أحد أبرز محاور البرنامج الحكومي السابق، إذ يسمح التعهد بإحداث مليون منصب شغل صاف بقياس الفارق بين الهدف المعلن والنتيجة المحققة، بينما يصعب إجراء المقارنة نفسها عندما يقتصر الالتزام على تحسين فرص التشغيل وإدماج الشباب دون تحديد عدد المناصب المستهدفة.
وفي المقابل، يتضمن تصريح المنصوري أهدافا قطاعية محددة، من بينها تكوين 100 ألف شاب سنويا، وتمكين نحو 100 ألف آخرين من أول تجربة مهنية، ورفع الطاقة التكوينية إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا، إلى جانب مواكبة 60 ألف مقاولة. غير أن هذه المؤشرات لا تعادل بالضرورة إحداث مناصب شغل صافية ودائمة، ما يجعل قياس الأثر النهائي لهذه البرامج على البطالة رهينا بنتائجها الفعلية.
وفي المجال الاجتماعي، تعهدت حكومة أخنوش بإخراج مليون أسرة من الفقر والهشاشة، وتعميم الحماية الاجتماعية والتعويضات العائلية، وتحسين أوضاع الفئات الأكثر هشاشة. أما حكومة المنصوري، فقد أعلنت عزمها رفع قيمة الدعم الاجتماعي من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية، والرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريا.
وتعكس هذه الالتزامات استمرارا لورش الحماية الاجتماعية الذي انطلق خلال الولاية السابقة، مع انتقال التركيز من توسيع التغطية إلى تحسين مستوى الاستفادة منها، دون أن يقدم التصريح الجديد تقييما مفصلا لمدى تحقق الأهداف الاجتماعية التي أعلنتها حكومة أخنوش سنة 2021.
وفي التعليم، كانت الحكومة السابقة قد تعهدت بإدراج المغرب ضمن أفضل 60 دولة في التصنيفات التعليمية الدولية، وتعميم التعليم الأولي للأطفال ابتداء من سن الرابعة. أما المنصوري، فحددت هدفا يتمثل في رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل بحلول 2031، وتحقيق هدف “صفر انقطاع عن الدراسة” في أفق 2030.
ويكشف اختلاف المؤشرات المعتمدة في البرنامجين عن صعوبة المقارنة المباشرة بين التعهدات، إذ انتقل التركيز من التصنيف الدولي للمنظومة التعليمية إلى قياس التعلمات والحد من الهدر المدرسي، دون أن يلغي ذلك الحاجة إلى تقييم حصيلة الإصلاحات التي باشرتها الحكومة السابقة.
وفي المجال الاقتصادي، رفعت المنصوري سقف النمو المستهدف من 4 في المائة في برنامج أخنوش إلى متوسط 5 في المائة سنويا خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، مع التعهد بحصر التضخم في حدود 2 في المائة، وضبط عجز الميزانية عند 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض المديونية العمومية إلى نحو 62 في المائة بحلول نهاية الولاية.
كما أعلنت أهدافا تتعلق بتعبئة 1.8 مليار متر مكعب من المياه عبر محطات التحلية بحلول 2031، ورفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة بحلول 2030، واستقبال 26 مليون سائح في الأفق نفسه.
وفي مجال الحكامة، تعهدت المنصوري بتجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وإصلاح تنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار، وهي ملفات تطرح بدورها تساؤلات بشأن أسباب استمرار تعثر بعض الإصلاحات المرتبطة بها خلال الولاية الحكومية السابقة.
وتبرز هنا مسألة المسؤولية السياسية المشتركة، إذ إن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تقوده المنصوري، وحزب الاستقلال، لم يكونا خارج السلطة خلال السنوات الخمس الماضية، بل شاركا إلى جانب التجمع الوطني للأحرار في حكومة أخنوش، التي تولت تنفيذ البرنامج السابق، بما فيه السياسات المتعلقة بالتشغيل والاستثمار والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
وبذلك، لا يتعلق الأمر بانتقال السلطة إلى أحزاب كانت في المعارضة، وإنما بإعادة تشكيل الأغلبية الحكومية مع استمرار حضور قوى سياسية شاركت في اتخاذ القرارات السابقة، وهو ما يجعل تقييم حصيلة حكومة أخنوش جزءا من النقاش حول مدى واقعية الالتزامات الجديدة.
ورغم أن تصريح المنصوري تضمن أهدافا رقمية في قطاعات محددة، فإن غياب هدف إجمالي صاف للتشغيل، وعدم ربط بعض التعهدات الاجتماعية والمؤسساتية بمؤشرات وآجال دقيقة، يثيران سؤالا بشأن مدى إمكانية إخضاع الحكومة للمحاسبة على أساس نتائج محددة عند نهاية ولايتها.
كما أن صياغة بعض الالتزامات بعبارات عامة، من قبيل تحسين جودة الخدمات وتعزيز القدرة الشرائية وتقليص الفوارق، تترك للحكومة هامشا واسعا في تفسير مستوى الإنجاز، ما لم تُترجم لاحقا إلى أهداف كمية وبرامج تنفيذية واضحة. وقد يسمح هذا الهامش بتقديم حصيلة إيجابية لبعض الإجراءات دون إثبات تحقق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية الأوسع التي أُعلنت أمام البرلمان.
وفي المقابل، قالت المنصوري إن برنامجها يشكل “تعاقدا سياسيا ومؤسساتيا”، وإن مسؤولية الحكومة ستقاس بالنتائج المحققة في الحياة اليومية للمواطنين، مؤكدة التزامها بترجمة التعهدات إلى برامج قابلة للتنفيذ.
وتبقى المقارنة بين التصريحين مرتبطة بسؤالين أساسيين: ما الذي تحقق من الالتزامات الرقمية التي قدمتها حكومة أخنوش سنة 2021، وكيف ستحدد حكومة المنصوري معايير قياس نجاحها في المجالات التي لم تضع لها أهدافا كمية واضحة؟
وبينما يسمح البرنامج السابق بمقارنة عدد من التعهدات بنتائجها بعد خمس سنوات، فإن اختبار البرنامج الجديد سيتوقف على مدى تحويل أولوياته العامة إلى التزامات قابلة للقياس والمساءلة، خصوصا أن جزءا من المسؤولين عن تنفيذها شاركوا أيضا في تدبير المرحلة السابقة.