تتزايد داخل جماعة آسفي علامات استفهام حول الوزن الذي بات يمثله مدير المصالح في تدبير عدد من الملفات والمفاصل الإدارية للجماعة، في وقت يبدو فيه أن سلطة الرئيس المنتخب، المفترض أن يكون صاحب القرار الأول داخل المؤسسة الجماعية، تواجه قيوداً متزايدة في الوصول إلى تفاصيل الإدارة والتحكم في مساراتها اليومية.

المسألة لا تتعلق بمجرد موظف إداري يشغل منصباً مهماً، وإنما بموقع يوجد في قلب الجهاز الجماعي، ويمر عبره جزء واسع من العمل الإداري اليومي، من التنسيق بين المصالح وتتبع الملفات إلى تدبير العلاقة مع الموظفين ومواكبة تنفيذ القرارات والمقررات. وإذا كانت هذه الصلاحيات تمنح مدير المصالح موقعاً إدارياً قوياً، فإن السؤال الذي يطرح نفسه داخل جماعة آسفي هو ما إذا كان هذا النفوذ الإداري بقي في الحدود التي رسمها القانون، أم أنه بدأ يتحول، عملياً، إلى مركز ثقل ينافس السلطة التدبيرية للرئيس المنتخب.

فالقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات لا يترك الكثير من الغموض بشأن موقع مدير المصالح، إذ تجعله المادة 128 مساعداً لرئيس المجلس في ممارسة صلاحياته، وتضع إشرافه على إدارة الجماعة وتنسيق العمل الإداري تحت مسؤولية الرئيس ومراقبته.

مدير المصالح، مهما اتسع نطاق عمله الإداري، لا يوجد قانوناً فوق الرئيس، ولا يمارس سلطة مستقلة عنه

بمعنى آخر، فإن موقعه الإداري يفترض أن يكون جزءاً من آلية تنفيذ وتنسيق توجهات السلطة المنتخبة. غير أن المعطيات المتداولة داخل محيط جماعة آسفي تطرح صورة تحتاج إلى التدقيق: إدارة قوية ومتماسكة حول مدير المصالح، مقابل منتخبين يواجهون صعوبة في الإمساك بكل تفاصيل الإدارة، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أكبر حول ميزان القوة الحقيقي داخل الجماعة.

تكمن أهمية مدير المصالح في أنه لا يتعامل مع ملف واحد أو قطاع واحد، وإنما يتحرك داخل شبكة واسعة من المصالح والأقسام والموظفين، فالإدارة الجماعية تضم مصالح مرتبطة بالموارد البشرية والجبايات والتعمير والممتلكات والأشغال والحالة المدنية والخدمات الإدارية وغيرها، ويأتي مدير المصالح في موقع يسمح له بتنسيق عمل هذه المكونات ومتابعة سيرها، تحت سلطة الرئيس ومراقبته. وهنا تبدأ المسألة الحساسة، فكلما أصبحت الإدارة أكثر اعتماداً على مسؤول إداري واحد في تمرير الملفات وتنسيق المصالح وتوجيه المساطر، ازدادت أهمية آليات المراقبة التي يفترض أن يمارسها الرئيس.

والمشكلة ليست في أن يكون مدير المصالح قوياً من الناحية المهنية، بل في أن تتحول الخبرة الإدارية، إذا غابت عنها الرقابة السياسية والقانونية الكافية، إلى نفوذ عملي يجعل المنتخبين في موقع المتلقي أكثر من موقع صاحب القرار. وفي جماعة بحجم آسفي، تصبح هذه المعادلة أكثر حساسية، لأن آلاف الملفات تمر سنوياً عبر الإدارة، ولأن المواطن لا يتعامل في كثير من الأحيان مع رئيس المجلس مباشرة، وإنما مع الموظفين والمصالح التي تنفذ القرارات وتدبر الوثائق والخدمات.

القانون يجعل رئيس المجلس مسؤولاً عن ممارسة عدد كبير من الاختصاصات، ويربط الإدارة الجماعية به، لكن ممارسة السلطة على الورق شيء، وممارستها فعلياً داخل إدارة كبيرة شيء آخر. فالرئيس المنتخب يأتي من صناديق الاقتراع، ويظل خاضعاً للمساءلة أمام المجلس والرأي العام، أما الإدارة فتشتغل بمنطق الاستمرارية والخبرة والتدرج الإداري، ويكون المسؤولون والموظفون فيها أكثر دراية بتفاصيل المساطر والملفات من المنتخبين القادمين حديثاً إلى التسيير.

وهذه العلاقة يمكن أن تكون تكاملية إذا كان الرئيس ممسكاً فعلياً بخيوط الإدارة، ويستفيد من خبرة الموظفين دون أن يتخلى عن سلطته في التوجيه والمراقبة، لكنها قد تصبح مختلة عندما تتحول الإدارة إلى قوة مستقلة عملياً عن القيادة المنتخبة، أو عندما يجد الرئيس نفسه أمام ملفات جاهزة وقرارات إدارية تشكلت داخل الجهاز الإداري قبل أن تصل إليه. وهنا تحديداً يطرح السؤال: هل يمارس رئيس جماعة آسفي مراقبته على الإدارة فعلاً، أم أن حجم السلطة المتراكمة داخل الجهاز الإداري يجعل هذه المراقبة محدودة؟

ويزداد هذا السؤال أهمية عندما يتعلق الأمر بالتفويضات، فالقانون يسمح لرئيس المجلس، وفق شروط محددة، بتفويض الإمضاء في مجال التدبير الإداري، وهو ما يعني أن بعض الوثائق يمكن أن تحمل توقيع مسؤول إداري بناء على تفويض قانوني. لكن التفويض لا يعني أن المسؤول المفوض إليه أصبح رئيساً فعلياً للجماعة، فالاختصاص الأصلي يبقى محدداً بالقانون، والتفويض له حدود وشروط، كما أن الرئيس يظل مسؤولاً عن مراقبة ممارسة الاختصاصات المفوضة.

ولهذا فإن الوثيقة الأهم التي ينبغي أن تكون موضع تدقيق في حالة جماعة آسفي هي قرارات التفويض نفسها: ما هي الاختصاصات التي فوضها الرئيس؟ لمن؟ وبأي مدة؟ وما حدودها؟ فالجواب عن هذه الأسئلة يمكن أن يكشف بدقة أكبر حجم السلطة الإدارية التي يمارسها مدير المصالح، بعيداً عن الانطباعات أو الروايات المتداولة داخل الجماعة.

لا يحتاج المسؤول الإداري إلى امتلاك سلطة سياسية حتى يصبح مؤثراً داخل مؤسسة جماعية، إذ يكفي أن يكون الأكثر معرفة بمسارات الملفات، والأكثر اطلاعاً على تفاصيل الموظفين، والأكثر قدرة على تفسير المساطر، والأكثر حضوراً في عملية تنسيق المصالح. ومن هنا يمكن أن تتشكل قوة إدارية كبيرة، خصوصاً عندما تكون القيادة السياسية منشغلة بالتوازنات الانتخابية والسياسية اليومية. لكن هذا النفوذ ينبغي أن يظل محكوماً بقاعدة أساسية: الإدارة تنفذ وتنسق وتقدم الخبرة، بينما يمارس المسؤول المنتخب اختصاصاته القانونية ويحاسب أمام المواطنين، وأي اختلال في هذه المعادلة قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة، أن تصبح السلطة السياسية المنتخبة موجودة قانوناً، بينما يصبح جزء من القرار اليومي محكوماً بمنطق إداري مغلق يصعب على المواطن وحتى بعض المنتخبين اختراقه.

والسؤال لا يتعلق فقط بمن يملك النفوذ، بل بمن يتحمل المسؤولية. فإذا تأخر ملف إداري، أو تعطل مرفق، أو لم ينفذ مقرر جماعي، أو بقيت وثيقة عالقة داخل إحدى المصالح، فمن يملك سلطة التدخل؟ ومن يوجه الموظفين؟ ومن يراقب احترام الآجال؟ ومن يقدم التفسير للرأي العام؟ هنا تظهر أهمية العلاقة بين الرئيس ومدير المصالح، فالأخير يعمل وفق القانون تحت مسؤولية الرئيس ومراقبته، وبالتالي فإن قوة الجهاز الإداري لا يفترض أن تكون بديلاً عن القيادة المنتخبة، بل أداة لمساعدتها على ممارسة اختصاصاتها بكفاءة. أما إذا أصبحت الإدارة قادرة على فرض إيقاعها الخاص بعيداً عن المراقبة الفعلية، فإن الأمر لا يعود مجرد نقاش حول موظف أو رئيس، وإنما يصبح سؤالاً حول حكامة المؤسسة الجماعية نفسها.

ما تحتاجه جماعة آسفي في هذه المرحلة ليس سجالاً حول الأشخاص، وإنما كشفاً واضحاً للوثائق التي تحدد المسؤوليات، فمن حق الرأي العام أن يعرف هيكلة الإدارة الجماعية، وحدود اختصاصات مدير المصالح، وطبيعة التفويضات الممنوحة، وكيف تتم مراقبة تنفيذها، وكيف يتابع الرئيس عمل المصالح المختلفة. كما أن القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات يوفر إطاراً قانونياً لطلب المعلومات الموجودة لدى الهيئات المعنية، مع مراعاة الاستثناءات التي يحددها القانون.

ومن شأن نشر هذه المعطيات أن ينهي جزءاً كبيراً من الجدل، فإذا كانت الاختصاصات موزعة بوضوح، والتفويضات محددة، والرئيس يمارس مراقبته فعلياً، فلا مشكلة في وجود إدارة قوية. أما إذا كشفت الوثائق عن تركيز واسع للاختصاصات، أو تفويضات فضفاضة، أو غياب آليات واضحة للتتبع والمراقبة، فسيكون من المشروع طرح سؤال أكثر إلحاحاً: هل أصبح مدير المصالح في جماعة آسفي أقوى من أن تكون الإدارة تحت مراقبة الرئيس، أم أن الأمر يتعلق فقط بإدارة قوية تعمل داخل حدود القانون؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الوثائق، لا الروايات المتداولة. ففي النهاية، السلطة داخل الجماعة ليست مسألة انطباعات، هناك رئيس منتخب، وهناك إدارة، وهناك اختصاصات محددة بالقانون، ومسؤوليات يفترض أن تكون قابلة للتحديد والمساءلة. وبينما يملك الرئيس شرعية الصندوق، تملك الإدارة المعرفة والتجربة والاستمرارية، والتوازن بين الاثنين هو الذي يحدد، في النهاية، من يدير الجماعة فعلاً: المنتخب الذي منحه القانون سلطة القرار، أم الجهاز الإداري الذي يملك مفاتيح تفاصيله اليومية؟