شعيب الإمنوذي
يُعد فوزي لقجع من أبرز الشخصيات التي بصمت المشهد الإداري والرياضي المغربي خلال العقدين الأخيرين. فقد جمع بين التكوين الأكاديمي، والخبرة في الإدارة العمومية، والتدبير الرياضي، قبل أن يتحول إلى أحد أكثر الأسماء تداولًا في النقاش العمومي المغربي. غير أن أهمية تجربته لا تكمن فقط في تعدد المسؤوليات التي تقلدها، بل في ارتباط اسمه، لدى كثير من المتابعين، بمجموعة من الإنجازات التي جعلت حضوره يتجاوز المجال الرياضي ليصبح موضوعًا للنقاش حول طبيعة النخب الجديدة وأشكال الشرعية التي تكتسبها داخل المجتمع.
ولد فوزي لقجع سنة 1970 بمدينة بركان، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي، قبل أن يحصل سنة 1988 على شهادة البكالوريا. وبعدها انتقل إلى الرباط لمتابعة دراسته العليا بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، حيث تخرج سنة 1994 مهندس دولة. كما تابع تكوينه بالمدرسة الوطنية للإدارة، وهو ما وفر له تكوينًا يجمع بين المعرفة التقنية والإدارية، وهي الخلفية التي ستطبع لاحقًا أسلوبه في تدبير مختلف المسؤوليات التي تقلدها.
وقد شكل هذا التكوين العلمي أساسًا لمسار مهني داخل الإدارة العمومية، حيث بدأ عمله في وزارة الفلاحة، قبل أن ينتقل إلى المفتشية العامة للمالية، التي تعد من أهم مؤسسات الرقابة المالية بالمغرب. وتدرج في عدد من المناصب الإدارية، من بينها رئاسة قسم الشؤون الإدارية، ورئاسة قسم الفلاحة والمقاصة، قبل أن يُعين سنة 2010 مديرًا للميزانية بوزارة الاقتصاد والمالية، وهو منصب يتولى مسؤولية إعداد وتنفيذ السياسة الميزانياتية للدولة. وفي سنة 2021 عُين وزيرًا منتدبًا لدى وزيرة الاقتصاد والمالية مكلفًا بالميزانية، ليواصل بذلك مسارًا إداريًا امتد لسنوات داخل واحدة من أكثر القطاعات حساسية في الدولة.
ويبرز هذا المسار المهني صورة مسؤول تدرج داخل الإدارة عبر المسؤوليات التقنية والتنفيذية، معتمدًا على التكوين الأكاديمي والخبرة الميدانية، وهو ما أكسبه سمعة مرتبطة بالانضباط الإداري والقدرة على تدبير الملفات المعقدة.
وإلى جانب مساره الإداري، ارتبط اسم فوزي لقجع بالرياضة، خاصة بمدينة بركان. فقد كان عضوًا في نادي النهضة الرياضية البركانية، كما ارتبط أيضًا بفرع كرة السلة بالنادي خلال المرحلة التي توج فيها لأول مرة بلقب البطولة الوطنية. غير أن حضوره الأبرز كان داخل فرع كرة القدم، حيث تولى رئاسة نادي نهضة بركان سنة 2009.
وعند توليه رئاسة النادي، كان المشروع يقوم على تحويله من فريق يعاني من صعوبات متكررة إلى مؤسسة رياضية مستقرة. واعتمد في ذلك على إعادة هيكلة التسيير، وضبط الجوانب المالية، والاستثمار في التكوين والبنية التحتية، وتطوير الإدارة الرياضية. وخلال سنوات قليلة تحول نهضة بركان إلى أحد أبرز الأندية المغربية والإفريقية، وتوج بعدة ألقاب وطنية وقارية، وأصبح نموذجًا يشار إليه في مجال الحكامة الرياضية.
وفي سنة 2014 انتخب فوزي لقجع رئيسًا للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بعد تقديم برنامج إصلاحي ركز على الحكامة، وتطوير البنيات التحتية، والاهتمام بالتكوين، وتأهيل الأندية، وتحديث منظومة التحكيم، ودعم كرة القدم النسوية وكرة القدم داخل القاعة، وتعزيز الحضور المغربي داخل الهيئات الرياضية الدولية.
وخلال السنوات اللاحقة، شهدت كرة القدم المغربية مجموعة من الإصلاحات البنيوية، من أبرزها إنشاء مركب محمد السادس لكرة القدم، الذي أصبح أحد أهم مراكز التكوين والإعداد الرياضي في إفريقيا، وتأهيل عدد من الملاعب الوطنية، وتحسين ظروف عمل المنتخبات الوطنية، وإطلاق برامج لتطوير الفئات السنية، وتعزيز الاحتراف داخل الأندية.
كما عرفت كرة القدم النسوية تطورًا ملحوظًا، سواء على مستوى البطولة الوطنية أو نتائج المنتخب الوطني، الذي بلغ نهائي كأس أمم إفريقيا وتأهل إلى نهائيات كأس العالم. وحققت كرة القدم داخل القاعة بدورها سلسلة من الإنجازات القارية والدولية، كما واصلت منتخبات الفئات السنية تأكيد حضورها القوي، حيث توج المنتخب المغربي لأقل من عشرين سنة بلقب كأس العالم الأخيرة التي احتضنتها الشيلي، في إنجاز تاريخي جديد يعكس ثمار الاستثمار في التكوين وإعداد المواهب، وهو ما عكس شمولية المشروع الرياضي الذي تبنته الجامعة.
أما الإنجاز الذي رسخ حضور المغرب عالميًا، فتمثل في المشاركة التاريخية للمنتخب الوطني في كأس العالم قطر 2022، حيث بلغ نصف النهائي لأول مرة في تاريخ المنتخبات العربية والإفريقية. وقد اعتبر كثير من المتابعين أن هذا الإنجاز لم يكن حدثًا معزولًا، بل نتيجة سنوات من التخطيط والاستثمار في التكوين والبنيات التحتية وتحسين الحكامة الرياضية.
ومن بين الجوانب التي طبعت تجربة فوزي لقجع أيضًا نجاحه في إعادة بناء العلاقة بين المنتخب الوطني وأبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج. فرغم عمل الدولة المغربية لعقود على الحفاظ على ارتباط أبناء المهاجرين بوطنهم الأصلي عن طريق التأطير القنصلي والديني، إلا أن هذا الرهان وجد نجاحه الحقيقي في المجال الرياضي من خلال استقطاب عدد كبير من اللاعبين مزدوجي الجنسية.
إن نجاح هذه السياسة لم يكن قائمًا أساسًا على الاعتبارات المادية أو الرياضية، بقدر ما اعتمد على مقاربة إنسانية في التواصل مع اللاعبين وأسرهم. فقد حرص على التواصل المباشر مع اللاعبين، والاستماع إلى قصصهم الشخصية، والاقتراب من عائلاتهم، وإبراز البعد الهوياتي والانتماء إلى المغرب، وهو ما ساهم في بناء علاقة من الثقة دفعت عددًا من اللاعبين إلى اختيار تمثيل المنتخب المغربي، مقتنعين بأن الأمر لا يتعلق فقط بمسار رياضي، بل أيضًا بالانتماء إلى الوطن والجذور.
وعلى المستوى الدولي، انتخب عضوًا بمجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، كما أصبح نائبًا أول لرئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF)، وهو ما عزز حضور المغرب داخل دوائر القرار الرياضي، وساهم في تتويج جهود المملكة بالحصول، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، على حق تنظيم نهائيات كأس العالم 2030.
كما عُرف بعلاقاته مع مختلف الفاعلين السياسيين والإداريين، مع محافظته، في الغالب، على موقع يطغى عليه الطابع المؤسساتي، بحكم مسؤولياته داخل الدولة وداخل المؤسسات الرياضية، وهو ما جعل حضوره يتجاوز الانتماءات الحزبية الضيقة ويرتبط أساسًا بالمهام التي كان يشرف عليها.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لشتنبر 2026، وبعيدًا عن مساره الإداري والرياضي، يتجدد تداول اسم فوزي لقجع في النقاش العمومي، وتكثر التأويلات بشأن إمكان انتقاله إلى أدوار سياسية أكبر، كما يربطه بعض المتتبعين بإمكانية الالتحاق بحزب الأصالة والمعاصرة.
لكن واقع الأمر يقول إن الرجل كانت له مساهمات ودور طلائعي في تأسيس مشروع حزب الأصالة والمعاصرة، وفق ما تضمنته شهادات عديد من المؤسسين الفعليين، كما ارتبط اسم فوزي لقجع، خلال سنوات شبابه، بالنشاط داخل الحركة الطلابية، التي شكلت آنذاك فضاءً للنقاش الفكري والسياسي بالنسبة إلى عدد من الأطر المغربية.
غير أن هذا الحضور الجديد لا يعني بالضرورة وجود إرادة مخزنية أو شعبية تدفع في هذا الاتجاه، بقدر ما يعكس المكانة التي راكمها من خلال حصيلة من الإنجازات في الإدارة العمومية والتسيير الرياضي.
ومن هنا برز، في نظر عدد من المتابعين، مفهوم يمكن تسميته بـ”شرعية الإنجاز”. وهي شرعية تختلف عن الشرعيات التقليدية القائمة على التاريخ الحزبي أو الخطاب السياسي أو النفوذ الاجتماعي، إذ تستند أساسًا إلى النتائج المحققة، والقدرة على تحويل البرامج إلى مشاريع، والأهداف إلى إنجازات ملموسة.
غير أن هذه الشرعية، مهما كانت قوية، تظل مرتبطة بالمجال الذي تحققت فيه. فالنجاح الذي حققه فوزي لقجع في الإدارة العمومية وفي تدبير كرة القدم لا يعني، بالضرورة، نجاحًا مماثلًا في المجال السياسي، لأن لكل مجال خصوصياته، وآلياته، ومعايير تقييمه. كما أن ما حققه المغرب من نجاحات في كرة القدم، على أهميته، لا ينبغي اعتباره دليلًا على نجاح شامل في مختلف القطاعات، إذ إن لكل قطاع رهاناته وتحدياته ومؤشراته الخاصة.
ومن ثم، فإن القراءة الموضوعية لتجربة فوزي لقجع لا تقتضي فقط تقييمها داخل السياق الذي تحققت فيه، باعتبارها تجربة بارزة في الإدارة العمومية والتدبير الرياضي، بل تدعو أيضًا إلى استلهام النموذج الذي جسدته في مجالات أخرى. فالدول التي تطمح إلى تحقيق التنمية الشاملة تحتاج إلى كفاءات قادرة على تحويل الرؤى إلى إنجازات، والبرامج إلى نتائج ملموسة.
وإذا كان المغرب قد نجح في تحقيق قفزة نوعية في المجال الرياضي بفضل تراكم العمل، وحسن التدبير، والقيادة القائمة على الفعالية والنتائج، فإن حاجته اليوم لا تقتصر على فوزي لقجع في الرياضة، بل تمتد إلى ضرورة وجود “فوزي لقجع” في كل قطاع استراتيجي يسعى إلى تطويره، من التعليم والصحة والاقتصاد والإدارة والصناعة والاستثمار وغيرها من المجالات ؛ المغرب في حاجة إلى رجال ونساء دولة يمتلكون الكفاءة نفسها، وروح المبادرة ذاتها، والإيمان بأن الإنجاز هو المعيار الحقيقي للنجاح.
وبهذا المعنى، فإن تجربة فوزي لقجع لا تمثل مجرد قصة نجاح فردية، بل تقدم نموذجًا لما يمكن أن تحققه الكفاءة والقيادة القائمة على النتائج عندما تتوفر لها الإرادة والإمكانات، وتؤكد أن تعميم هذا النموذج على مختلف القطاعات كفيل بتسريع وتيرة التنمية وتعزيز مكانة المغرب بين الدول.
وانطلاقًا من كل ذلك، يبدو أن تجربة فوزي لقجع تمثل نموذجًا يستحق أن يُعمَّم في مختلف المجالات الحيوية والاستراتيجية بالمغرب، لما تعكسه من قدرة على الجمع بين حسن التدبير، ووضوح الرؤية، وربط المسؤولية بالنتائج، وهي المقومات التي تظل أساسًا لأي مشروع تنموي ناجح.