أثر نيوز - المهدي الويداني

دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ رسمياً، عقب نشره في العدد 7536 من الجريدة الرسمية بتاريخ 20 غشت 2026، بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.75 الصادر في 18 غشت 2026، منهياً بذلك المسار التشريعي للنص، ومطلقاً مرحلة جديدة تتعلق بتطبيق مقتضياته على أرض الواقع.

ويأتي صدور القانون في سياق مهني وقانوني اتسم بتوتر واضح بين الحكومة وهيئات المحامين، على خلفية عدد من المقتضيات التي أثارت اعتراضات واسعة داخل الجسم المهني، في مقدمتها شروط الولوج إلى المهنة، وتنظيم التكوين والتمرين، وضوابط ممارسة المحاماة، والمسؤولية المهنية، فضلاً عن القضايا المرتبطة باستقلالية المهنة والتنظيم الذاتي لهيئاتها.

وبذلك، انتقل النص من مرحلة المشروع والمناقشة البرلمانية والجدل المؤسساتي إلى مرحلة القانون النافذ، في وقت لا تزال فيه تداعيات الخلاف السابق حوله حاضرة داخل الهيئات المهنية.

مسار تشريعي اتسم بالجدل

كان مجلس النواب قد صادق، في قراءة ثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026، وبأغلبية 85 عضواً مقابل 35، على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة.

غير أن المصادقة البرلمانية لم تضع حداً للخلافات التي رافقت المشروع، إذ واصلت جمعية هيئات المحامين بالمغرب التعبير عن رفضها لعدد من مقتضياته، كما أعلنت تمسكها بأشكال احتجاجية ومهنية، من بينها التوقف عن تقديم الخدمات وتعليق المساعدة القضائية.

وفي سياق التصعيد المهني، أعلنت الجمعية مواصلة تعبئتها، كما دعت إلى عقد مجلس استثنائي يوم 5 شتنبر المقبل، في وقت كان مكتب الجمعية قد أعلن في مرحلة سابقة أن نقباء الهيئات الـ17 بالمغرب يعتزمون الدعوة إلى عقد جمعيات عامة استثنائية لبحث إمكانية تقديم استقالة جماعية.

وتعكس هذه الخطوات حجم التباين الذي رافق مشروع القانون بين الحكومة والهيئات المهنية، خصوصاً بشأن طبيعة العلاقة بين تنظيم المهنة وضمان استقلاليتها.

رأي المحكمة الدستورية وتعذر البت في المشروع

وتزامن هذا المسار مع تطور مؤسساتي تمثل في إعلان المحكمة الدستورية تعذر البت في صيغة مشروع القانون المحالة عليها.

وبحسب الإشعار المنشور في الجريدة الرسمية، ارتبط تعذر البت بما وصف بسهو إداري، تمثل في عدم تضمين الملف المحال من مجلس النواب النص الرسمي الكامل لمشروع القانون.

وأثار هذا التطور رد فعل من جمعية هيئات المحامين بالمغرب، التي عبرت عن أسفها لما اعتبرته غموضاً إجرائياً يحيط بدراسة الإطار القانوني الجديد ومساره المؤسساتي.

ولم تقتصر ملاحظات الجمعية على الجانب المتعلق بمطابقة النص للدستور، بل امتدت إلى طريقة إعداد المشروع والمسار الذي قطعه داخل المؤسسات، حيث اعتبرت أن الحكومة لم تلتزم، من وجهة نظرها، بعدد من الالتزامات التي كانت محل تفاهم مع الهيئات المهنية.

كما وجهت الجمعية انتقادات إلى عدد من المقتضيات التي ترى أنها تمس استقلالية المحامي وحصانته، أو تحد من التنظيم الذاتي للمهنة.

من الخلاف حول المشروع إلى تطبيق القانون

ومع نشر القانون رقم 66.23 في الجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ، أصبح النقاش مرتبطاً أساساً بكيفية تطبيق المقتضيات الجديدة، بعدما انتهت المرحلة التشريعية التي كان فيها النص مشروعاً معروضاً للمناقشة والمصادقة.

ومن أبرز المستجدات التي يتضمنها القانون تنظيم شروط الولوج إلى مهنة المحاماة، بما في ذلك تحديد 45 سنة كسن أقصى لاجتياز مباراة الولوج إلى المهنة، إلى جانب مقتضيات تتعلق بالتكوين والتمرين وممارسة المهنة والمسؤولية المهنية.

وتهم هذه المقتضيات مختلف مراحل المسار المهني للمحامي، بدءاً من الولوج إلى المهنة، مروراً بالتكوين والتمرين، وصولاً إلى قواعد الممارسة المهنية والالتزامات والمسؤوليات المرتبطة بها.

ويجعل دخول القانون حيز التنفيذ من الإجراءات التطبيقية والتنظيمية المرتبطة بهذه المقتضيات عنصراً أساسياً في المرحلة المقبلة، خصوصاً بالنسبة إلى المقبلين على المهنة والهيئات المهنية وباقي المتدخلين في منظومة العدالة.

احتجاجات المحامين تتقاطع مع حقوق المتقاضين

وبالتوازي مع الخلاف المهني حول مشروع القانون، أثارت الإجراءات الاحتجاجية التي اتخذتها هيئات المحامين نقاشاً آخر يتعلق بوضعية المواطنين المستفيدين من خدمات المحاماة، ولا سيما الأشخاص الذين يحتاجون إلى الدفاع في القضايا القضائية.

وفي هذا السياق، دخلت الجامعة المغربية لحقوق المستهلك على خط النقاش، حيث وجهت رسالة مفتوحة إلى وزير العدل بشأن وضعية المواطنين الذين يلجؤون إلى خدمات المحامين.

ونبهت الجامعة، وفق ما ورد في رسالتها، إلى الصعوبات التي تواجه فئات من المواطنين في الولوج إلى حق الدفاع، مشيرة بشكل خاص إلى المعتقلين، ولا سيما في القضايا الجنائية، إضافة إلى فئات أخرى قالت إنها تأثرت بتعليق بعض الخدمات المهنية.

واعتبرت الهيئة أن استمرار هذا الوضع يطرح إشكالات مرتبطة بحقوق المستفيدين من الخدمات القانونية والقضائية، داعية إلى اتخاذ إجراءات تضمن عدم تعطل حق المواطنين في الدفاع، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات الهشة والمعوزة.

دعوات إلى ضمان المساعدة القضائية

وفي رسالتها إلى وزير العدل عبد اللطيف وهبي، دعت الجامعة المغربية لحقوق المستهلك إلى تمكين المواطنين من الولوج إلى المساعدة القضائية، والسماح للأشخاص بالدفاع عن أنفسهم أو الاستعانة بمحامين لتمثيلهم، بما يضمن احترام ضمانات المحاكمة العادلة.

كما أوصت بدعوة المحامين المعينين في إطار المساعدة القضائية إلى تقديم خدماتهم وفق المقتضيات القانونية المنظمة لذلك.

ويضع هذا الموقف ملف المساعدة القضائية في صلب النقاش الموازي للخلاف المهني، باعتبارها آلية مرتبطة بضمان وصول الأشخاص الذين لا يتوفرون على الإمكانات المالية الكافية إلى خدمات الدفاع.

قانون جديد أمام مرحلة مختلفة

ويأتي دخول القانون رقم 66.23 حيز التنفيذ في نهاية مسار تشريعي شهد نقاشاً واسعاً داخل البرلمان وفي أوساط المحامين، وترافق مع تحركات واحتجاجات مهنية، فضلاً عن تطورات مؤسساتية مرتبطة بإحالته على المحكمة الدستورية.

وبانتقال النص إلى مرحلة التنفيذ، أصبحت مقتضياته الجديدة واجبة التطبيق وفق القواعد القانونية والتنظيمية المؤطرة لها، بينما يستمر النقاش المهني بشأن عدد من القضايا المرتبطة بالمهنة واستقلاليتها وتنظيمها الذاتي.

وفي المقابل، يظل ضمان استمرار خدمات الدفاع والمساعدة القضائية من الملفات المرتبطة مباشرة بحقوق المتقاضين، بما يجعل تنزيل القانون الجديد متصلاً، إلى جانب تنظيم المهنة، بسير العدالة وضمانات المحاكمة وحق الدفاع.

وهكذا، فإن 20 غشت 2026 يشكل تاريخاً فاصلاً بين مرحلتين: مرحلة مشروع القانون التي طبعتها المناقشات والخلافات والاحتجاجات، ومرحلة القانون النافذ التي ستحدد فيها الممارسة اليومية للمحاماة، والإجراءات التنظيمية، وعلاقة مختلف المتدخلين بالنص الجديد، طبيعة وآثار التحول الذي أحدثه القانون رقم 66.23 في الإطار القانوني المنظم للمهنة.