كشفت دراسة تقنية استراتيجية، أنجزها مكتب الدراسات SouthBridge A&I تحت إشراف لجنة رفيعة المستوى، وفقا لمصادر موقع”أثر نيوز″، وننشر تفاصيلها حصريًا لأول مرة، عن صورة دقيقة ومقلقة لواقع قطاع الخزف بمدينة آسفي، بعدما وثقت تراجعا هيكليا غير مسبوق في واحدة من أعرق الصناعات التقليدية بالمغرب، مقابل وضع خارطة طريق طموحة تستهدف تحويل المدينة إلى قطب وطني ودولي للخزف، ورفع رقم معاملات القطاع إلى نحو مليار درهم في أفق سنة 2032.
وجرى تقديم خلاصات الدراسة خلال الندوة التقنية التي احتضنتها القاعة الملحقة لمجلس جهة مراكش آسفي بمدينة آسفي، الجمعة الأسبوع الجاري، كما جرى تقديم كتاب يوثق لحرفة الخزف تاريخيا من تقديم البروفيسور عكار، بعنوان اشهر صانع خزف “العمالي” وذلك من تنظيم جمعية حوض آسفي، بحضور عامل إقليم آسفي محمد الفطاح ومختلف المتدخلين المؤسساتيين والمهنيين.
واعتمد مكتب الدراسات مقاربة ميدانية واسعة قبل صياغة الاستراتيجية، شملت أكثر من 20 زيارة ميدانية للمقالع وورشات الإنتاج ونقط التسويق، وإنجاز 35 مقابلة مع الفاعلين المؤسساتيين والمهنيين، وتحليل أكثر من 20 دراسة وتقريبا 238 زيارة لورشات الفخار في إطار الإحصاء العام للحرفيين. كما استندت الدراسة إلى سبع تجارب دولية مرجعية، من بينها فرنسا والصين والبرتغال واليابان.
من ريادة وطنية إلى تراجع هيكلي
وتؤكد الدراسة أن آسفي كانت لعقود القلب النابض لصناعة الخزف بالمغرب، مستفيدة من إرث يمتد لأكثر من خمسة قرون، ومن شهرة عالمية خاصة بالخزف الأزرق، غير أن هذا الرصيد التاريخي لم يعد كافيا لضمان تنافسية القطاع.
وتبرز أرقام الدراسة حجم الانحدار الغير المسبوق الذي وصل إليه قطاع الخزف بآسفي، إذ لا يتجاوز رقم معاملات القطاع حاليا 250 إلى 280 مليون درهم
فيما أن الصادرات أصبحت تمثل أقل من 1% من رقم معاملات القطاع محليا، بعدما كانت آسفي في السابق أول مصدر للخزف المغربي.
بينما تراجع عدد الحرفيين الدائمين من 3000 سنة 2010 إلى حوالي 1800 فقط سنة 2025، أي فقدان حوالي 40% من اليد العاملة خلال 15 سنة.
وانكمشت مساهمة آسفي في صادرات الخزف المغربية إلى نحو 5% فقط.
وسجلت الدراسة أن ثلث الحرفيين فقط مسجلون بالسجل الوطني للمقاول الذاتي أو بأنظمة الحماية الاجتماعية، ما يعكس هيمنة القطاع غير المهيكل.
وترى الدراسة أن جائحة كوفيد، التي أدت إلى انهيار الطلب بأكثر من 50%، إلى جانب الفيضانات الأخيرة، سرعت وتيرة الانكماش، لكنها لم تكن السبب الوحيد، بل كشفت هشاشة بنيوية كانت قائمة منذ سنوات.
مفارقة صارخة: سوق عالمي ضخم وآسفي خارج المنافسة
وفي الوقت الذي يواصل فيه سوق الخزف العالمي نموه، بقيمة تقدر بحوالي 43 مليار دولار سنة 2025، بمعدل نمو سنوي يقارب 4%، ما تزال آسفي متموقعة في المنتجات المتوسطة والمنخفضة القيمة، رغم امتلاكها رصيدا ثقافيا وحرفيا يصنف ضمن الأفضل عالميا.
وتوضح الدراسة أن الأسواق الدولية تتجه حاليا نحو المنتجات اليدوية، والمواد المستدامة، والتصاميم المبتكرة، والمنتجات الصحية الخالية من الرصاص والكادميوم، إضافة إلى تنامي المبيعات الرقمية، وهي مجالات لا تزال آسفي متأخرة فيها بشكل واضح.
خمس نقاط ضعف تخنق القطاع
وحددت الدراسة خمس اختلالات بنيوية تعتبرها السبب الرئيسي في فقدان تنافسية خزف آسفي، أولها هشاشة الولوج إلى الطين، حيث تستحوذ الصناعة على الجزء الأكبر من الإنتاج، بينما يواجه الحرفيون صعوبة في التزود بالمادة الأولية.
أما الاختلال الثاني فيتعلق باستمرار معالجة الطين يدويا في نحو 75% من الحالات، وهو ما يجعل الجودة رهينة الظروف المناخية ويؤثر على الإنتاجية.
ويتمثل الخلل الثالث في ضعف تجهيز الورشات، إذ إن أكثر من 95% منها صغيرة أو متوسطة الحجم، وتعاني نقصا في المعدات الحديثة، مما يمنع الإنتاج المنتظم وبجودة ثابتة.
أما التكوين، فيعيش بدوره أزمة حقيقية، إذ لم يعد يجذب الشباب، في وقت لا يتجاوز فيه عدد المتدربين بمعهد التكوين 213 متدربا.
كما سجلت الدراسة هيمنة الوسطاء على عملية التسويق، حيث يتم بيع حوالي ثلثي الإنتاج عبر تجار الجملة، مع غياب شبه كامل للتسويق الرقمي وللولوج المنظم إلى أسواق التصدير، فضلا عن خسارة تقارب 15% من الإنتاج بسبب رداءة الطين.
مراكش… المستفيد الأكبر من خزف آسفي
ومن أبرز ما كشفته الدراسة ما وصفته بـ”حلقة الاستنزاف” التي تستفيد منها مدينة مراكش على حساب آسفي.
فبينما تستقبل مراكش حوالي 2.9 مليون سائح سنويا بمتوسط إنفاق يتراوح بين 1000 و2000 درهم يوميا، لا تستقبل آسفي سوى نحو 19 ألف زائر، أغلبهم سياح محليون، بمتوسط إنفاق لا يتجاوز 300 إلى 500 درهم يوميا.
وتؤكد الدراسة أن هذا الفارق دفع عددا متزايدا من الصناع إلى نقل أنشطتهم نحو مراكش، بحثا عن سوق أكثر ربحية وبنيات تحتية أفضل، وهو ما أدى إلى نزيف مزدوج يشمل الإنتاج والتسويق معا.
مقارنة دولية تكشف حجم التأخر
وفي مقارنة مع تجارب دولية، خلصت الدراسة إلى أن خزف آسفي يعتمد على صناعة يدوية محدودة المكننة، تبيع منتجاتها بأسعار منخفضة رغم قيمتها التراثية، بينما استطاعت مدن مثل ليموج الفرنسية أو أريتا اليابانية تحويل الحرفة إلى منتج فاخر عالي القيمة، في حين اعتمدت الصين وتركيا على التصنيع واسع النطاق منخفض التكلفة، وهو ما جعل آسفي عالقة بين النموذجين دون امتلاك مزايا أي منهما.
أهداف طموحة إلى غاية 2032
ورغم هذا التشخيص القاسي، تقترح الدراسة رؤية تعتبر الأكثر طموحا منذ سنوات للنهوض بالقطاع.
وتستهدف الخطة رفع رقم معاملات القطاع إلى حوالي مليار درهم بالإضافة إلى مضاعفة متوسط دخل الحرفي إلى نحو 240 ألف درهم سنويا.
ورفع صادرات خزف آسفي إلى حوالي 240 مليون درهم، أي ما يقارب عشرة أضعاف المستوى الحالي.
ومضاعفة عدد العاملين من حوالي 2200 إلى 4000 منصب شغل وكل ذلك بهدف استعادة الريادة الوطنية في إنتاج الخزف.
عشرة مشاريع لإعادة بناء القطاع
ولتحقيق هذه الأهداف، تقترح الدراسة برنامجا تنفيذيا يمتد على ثلاث سنوات، يرتكز على عشرة مشاريع استراتيجية، أبرزها:
إنشاء وحدة صناعية لمعالجة الطين والبسكويت الخزفي بشراكة بين القطاعين العام والخاص.
برنامج لتحديث الورشات بمنحة تصل إلى 300 ألف درهم لكل ورشة.
إنشاء معرض دائم لخزف آسفي بمدينة مراكش.
إحداث “كلستر خزف آسفي” يضم مركزا للتصدير والتغليف والخدمات اللوجستية.
إنشاء مركز للتميز في الخزف.
إحداث صندوق لدعم المقاولات الناشئة في القطاع.
إطلاق علامة تجارية موحدة “Safi Poterie”.
تنظيم مهرجان سنوي للخزف.
إعادة تأهيل قرية الخزافين وتثمين تلة الخزافين والمدينة العتيقة.
وتخلص الدراسة إلى أن مدينة آسفي لا تعاني من أزمة في التراث أو المهارة الحرفية، بل من اختلالات هيكلية في سلسلة القيمة، تبدأ من المقالع ولا تنتهي عند التصدير، معتبرة أن نجاح هذه الاستراتيجية سيحول الخزف من نشاط تقليدي محدود إلى رافعة اقتصادية قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل، وإعادة تموقع آسفي كعاصمة وطنية ودولية للخزف.
